لاستحقروها ولم يلتفتوا إليها فحركتهم لحظَّ وطاعتهم لحظَّ ولكن حظَّهم معبودهم فقطَّ دون غيره ، ثمّ قال : والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة وإنّما البيان الشافي بيان سيّد الأوّلين والآخرين عليه السّلام إذ سئل عن الإخلاص فقال : « هو أن تقول ربّي اللَّه ثمّ تستقيم كما أمرت » [ 1 ]
أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربّك وتستقيم في عبادته كما أمرك . وهذه إشارة إلى قطع كلّ ما سوى اللَّه عزّ وجلّ عن مجرى النظر وهو الإخلاص حقّا .
* ( بيان درجات الشوائب والآفات المكدّرة للاخلاص ) *
اعلم أنّ الآفات المشوّشة للإخلاص بعضها جليّ وبعضها خفيّ وبعضها ضعيف مع الجلاء وبعضها قويّ مع الخفاء ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء إلا بمثال وأظهر مشوّشات الإخلاص الرّياء فلنذكر منه مثالا فنقول : الشيطان يدخل الآفة على المصلَّي مهما كان مخلصا في صلاته حيث نظر إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له : حسّن صوتك حتّى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار والصلاح ولا يزدريك ولا يغتابك فتخشع جوارحه وتسكن أطرافه وتحسن صلاته وهذا هو الرّياء الظاهر ولا يخفى ذلك على المبتدين من المريدين .
الدّرجة الثانية أن يكون المريد قد فهم هذه الآفة فأخذ منها حذره فصار لا يطيع الشيطان فيه ولا يلتفت إليه ويستمرّ في صلاته كما كان فيأتيه في معرض الخير ويقول : أنت متبوع ومقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله يؤثر عنك ويتأسّى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزر إن أسأت فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدى بك في الخشوع وتحسين العبادة وهذا أغمض من الأوّل وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأوّل وهو أيضا عين الرّياء ومبطل للاخلاص فإنّه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرتضي لغيره تركه فلم لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة
هامش
[ 1 ] أخرجه ابن ماجة في السنن تحت رقم 3972 . أن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي قال : قلت : يا رسول اللَّه حدثني بأمر أعتصم به قال : قل : « ربي اللَّه ثم استقم » . وروى نحوه مسلم في الصحيح .