وقال موسى عليه السّلام للخضر : أوصني فقال : كن بسّاما ولا تكن غضّابا وكن نفّاعا ولا تكن ضرّارا . وانزع عن اللَّجاجة ، ولا تمش في غير حاجة ، ولا تضحك من غير عجب ، ولا تعيّر الخطَّائين بخطاياهم ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران .
وقال رجل لمحمّد بن كرّام : أوصني فقال : اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك .
فهذه المواعظ مثل الأغذية الَّتي يشترك الكافّة في الانتفاع بها ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعّاظ انحسم باب الاتّعاظ وغلبت المعاصي واستسرى الفساد وبلي الخلق بوعّاظ يزخرفون أسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلَّفون ذكر ما ليس في سعة علمهم ويتشبّهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامّة وقارهم ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب بل القائل متصلَّف [ 1 ] والمستمع متكلَّف وكلّ واحد منهما مدبر متخلَّف ، فإذن كان طلب الطبيب أوّل علاج المرضى فطلب العلماء أوّل علاج العاصين ، فهذا أحد أركان العلاج وأصوله .
والأصل الثاني : الصبر
ووجه الحاجة إليه أنّ المريض إنّما يطول مرضه لتناوله ما يضرّه وإنّما يتناول ذلك إمّا لغفلته عن مضرّته وإمّا لشدّة غلبة شهوته فله سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة فيبقى علاج الشهوة وطريق علاجها قد ذكرناه في كتاب رياضة النفس ، وحاصله أنّ المريض إذا اشتدّت ضراوته لمأكول مضرّ فطريقه أن يستشعر عظم ضرره ثمّ يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره ثمّ يتسلَّى عنه بما يقرب منه في صورته ولا يكثر ضرره ثمّ يصبر بقوّة الخوف على الألم الَّذي يناله في تركه فلا بدّ على كلّ حال من مرارة الصبر ، فكذلك يعالج الشهوة في المعاصي كالشابّ مثلا إذا غلبته الشهوة فصار لا يقدر على حفظ عينه ولا حفظ قلبه أو حفظ جوارحه في السعي وراء شهوته فينبغي أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يستقري المخوفات الَّتي جاءت فيه من كتاب اللَّه وسنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فإذا اشتدّ خوفه تباعد عن الأسباب المهيّجة لشهوته ومهيّج الشهوة من خارج هو حضور المشتهي والنظر إليه وعلاجه
هامش
[ 1 ] المتصلف : من تكلف الصلف وهو التمدح بما ليس فيه والتملق .