نعله فما يدريه فلعلّ الساعة قريب والمتأخّر إذا وقع صار ناجزا ويذكَّر نفسه أنّه أبدا في دنياه يتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال إذ يركب البحار ويقاسي الأسفار لأجل الرّبح الَّذي يظنّ أنّه قد يحتاج إليه في ثاني الحال بل لو مرض وأخبره نصراني طبيب بأن شرب الماء البارد يضرّه ويسوقه إلى الموت وكان الماء البارد ألذّ الأشياء عنده تركه مع أنّ الموت ألمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ومفارقته للدّنيا لا بدّ منها فكم نسبة وجوده في الدّنيا إلى عدمه أزلا وأبدا ، فلينظر كيف يبادر إلى ترك ملاذّه بقول ذمّيّ لم تقم معجزة على طبّه فيقول : كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيّدين بالمعجزات عندي دون قول نصرانيّ يدّعي الطبّ لنفسه بلا معجزة على طبّه ولا يشهد له إلا عوام الخلق وكيف يكون عذاب النّار أخفّ عندي من عذاب المرض ، وكلّ يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيّام الدّنيا وبهذا التّفكَّر بعينه يعالج اللَّذّة الغالبة عليه ويكلَّف نفسه تركها ويقول : إذا كنت لا أقدر على ترك لذّاتي أيّام العمر وهي أيّام قلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد ؟ وإذا كنت لا أطيق ألم الصّبر فكيف أطيق ألم النّار ؟ وإذا كنت لا أصبر عن زخارف الدّنيا مع كدورتها وتنغّصها وامتزاج صفوها بكدرها فكيف أصبر عن نعيم الآخرة ؟ .
وأمّا تسويف التّوبة فيعالجه بالفكر في أنّ أكثر صياح أهل النّار من التسويف لأنّ المسوّف يبني الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعلَّه لا يبقى ، وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشّهوة ، والشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف إذ تتأكَّد بالاعتياد فليست الشهوة الَّتي أكَّدها الإنسان بالعادة كالَّتي لم يؤكَّدها وعن هذا هلك المسوّفون لأنّهم يظنّون الفرق بين المتماثلين ولا يظنّون أنّ الأيّام متشابهة في أنّ ترك الشّهوات فيها أبدا شاقّ ، وما مثال المسوّف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قويّة لا تنقلع إلا بمشقّة شديدة فقال : أؤخّرها سنة ثمّ أعود إليها وهو يعلم أنّ الشجرة كلَّما بقيت ازداد رسوخها وهو كلَّما طال عمره ازداد ضعفه فلا حماقة في الدّنيا أعظم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 101
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠١