تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥

أوحى إلى يعقوب عليه السّلام : أتدري لم فرّقت بينك وبين ولدك يوسف ؟ قال : لا ، قال : لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذّئب لم خفت عليه الذّئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له ؟ وكذلك لمّا قال يوسف لصاحب الملك : « اذكرني عند ربّك » قال تعالى : « فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث في السّجن بضع سنين » ( 1 ) . وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر ولم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسمار ، بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار ليعلم أنّ الأنبياء عليهم السّلام لم يتجاوز عنهم في الذّنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذّنوب الكبار ، نعم كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخّروا إلى الآخرة ، والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما ولأنّ عذاب الآخرة أشدّ وأكبر ، فهذا أيضا ممّا ينبغي أن يكتر جنسه على أسماع المصرّين فإنّه نافع في تحريك دواعي التوبة . النوع الثالث : أن يقرّر عندهم أنّ تعجيل العقوبة في الدّنيا متوقّع على الذّنب وأنّ كلّ ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فربّ عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة اللَّه في الدّنيا أكثر لفرط جهله فينبغي أن يخوّف به فإنّ الذّنوب كلَّها يتعجّل في الدّنيا شؤمها في غالب الأمر حتّى قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه وقد تسقط منزلته عن القلوب ويستولي عليه أعداؤه قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ العبد ليحرم الرّزق بالذنب يصيبه » ( 2 ) وقال ابن مسعود : إنّي لأحسب أنّ العبد لينسى العلم بذنب يصيبه وهو معنى قوله عليه السّلام : « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » ( 3 ) . وقال بعض السلف : ليست اللَّعنة سوادا في الوجه ونقصانا في المال إنّما اللَّعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو أشدّ منه ، وهو كما قاله لأنّ اللَّعنة هي الطرد والإبعاد فإذا لم يوفّق للخير ويسّر له الشرّ فقد أبعد ، والحرمان عن رزق

هامش
( 1 ) يوسف : 43 .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4022 باسناد حسن وفي الكافي ج 2 ص 271 مثله .
( 3 ) قد تقدم .