بالمكاره وحفّت النّار بالشهوات » ( 1 ) وقوله عليه السّلام : « إنّ اللَّه خلق النّار فقال لجبرئيل : اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال : وعزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، فحفّها بالشهوات ثمّ قال : اذهب فانظر إليها فنظر فقال : وعزّتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ، وخلق الجنّة فقال لجبرئيل . اذهب فانظر إليها فنظر فقال : وعزّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فحفّها بالمكاره ثمّ قال : اذهب فانظر إليها فنظر فقال : وعزّتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد » ( 2 ) فإذن كون الشهوة مرهقة في الحال وكون العقاب متأخّرا إلى المآل سببان ظاهران في الاسترسال مع حصول أصل الإيمان ، فليس كلّ من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدّة عطشه مكذّبا بأصل الطبّ ولا مكذّبا بأنّ ذلك مضرّ في حقّه ، ولكنّ الشهوة تغلبه وألم الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر ، والثالث أنّه ما من مذنب مؤمن إلا وهو في الغالب عازم على التوبة وتكفير السيّئات بالحسنات وقد وعد بأنّ ذلك يجبره إلا أنّ طول الأمل غالب على الطباع فلا يزال يسوّف التوبة والتكفير فمن حيث رجائه التوفيق للتّوبة ربّما يقدم عليه مع الإيمان ، والرّابع أنّه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أنّ الذّنب لا يوجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها فهو يذنب وينتظر العفو اتّكالا على فضل اللَّه ، فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذّنب مع بقاء أصل الإيمان نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل الإيمان وهو كونه شاكَّا في صدق الرّسل وهذا هو الكفر كالَّذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضرّه في المرض وكان المحذّر ممّا لا يعتقد فيه أنّه عالم بالطبّ فيكذّبه أو يشكّ فيه فلا يبالي به فهذا هو الكفر ، فإن قلت : فما علاج الأسباب الخمسة ؟ فأقول : هو الفكر وذلك بأن يقرّر على نفسه في السّبب الأوّل وهو تأخّر العقاب أنّ كلّ ما هو آت آت وأنّ غدا للناظرين قريب وأنّ الموت أقرب إلى كلّ أحد من شراك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 100
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٠
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ج 10 ص 32 وأحمد ومسلم من حديث أنس وأيضا أحمد في الزهد عن ابن مسعود ومسلم أيضا عن أبي هريرة كلهم بسند صحيح كما في الجامع الصغير .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 10 ص 33 .