تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧

اقتداء برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال له واحد : أوصني ولا تكثر عليّ فقال : لا تغضب . وقال له آخر : أوصني فقال : عليك باليأس ممّا في أيدي الناس فإنّ ذلك هو الغنى ، وإيّاك والطمع فإنّه الفقر الحاضر ، وصلّ صلاة مودّع وإيّاك وما يتعذر منه » ( 1 ) . فكأنّه عليه السّلام توسّم بالسائل الأوّل مخائل الغضب فنهاه عنه ، وفي السائل الآخر مخائل الطمع في الناس وطول الأمل ، والكلام على قدر حال السائل أولى من أن يكون بحسب حال القائل ، فإذن على كلّ ناصح أن تكون غايته مصروفة إلى تفرّس الصفات الخفيّة وتوسّم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهمّ فإنّ حكاية جميع مواعظ الشرع مع كلّ واحد غير ممكنة والاشتغال بوعظه بما هو مستغن عن التوعّظ فيه تضييع زمان . فإن قلت : فإن كان الواعظ يتكلَّم في جمع أو سأله من لا يدري باطن حاله أن يعظه فكيف يفعل ؟ فاعلم أنّ طريقه في ذلك أن يعظه بما يشترك كافّة الخلق في الحاجة إليه إمّا على العموم وإمّا على الأكثر فإنّ في علوم الشرع أغذية وأدوية فالأغذية للكافّة والأدوية لأرباب العلل ، ومثاله ما قال لقمان لابنه : « يا بنيّ زاحم العلماء بركبتيك ولا تجادلهم فيمقتوك ، وخذ من الدّنيا بلاغك وأنفق فضول كسبك لآخرتك ، ولا ترفض الدّنيا كلّ الرّفض فتكون عيالا وعلى أعناق الرّجال كلا ، وصم صوما يكسر شهوتك ولا تصم صوما يضرّ بصلاتك فإنّ الصلاة أفضل من الصوم ولا تجالس السفيه ولا تخالط ذا الوجهين . وقال لابنه أيضا : يا بنيّ لا تضحك من غير عجب ولا تمش في غير أرب [ 1 ] ولا تسأل عمّا لا يعنيك ولا تضيّع مالك وتصلح مال غيرك فإنّ مالك ما قدّمت ومال غيرك ما تركت ، يا بنيّ إنّ من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم ، ومن يقل الخير يغنم ، ومن يقل الشرّ يأثم ، ومن لا يملك لسانه يندم » . وقال رجل لأبي حازم : أوصني ، فقال : كلّ ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فألزمه وكلّ ما جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه .

هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم وابن ماجة وقد تقدم .
[ 1 ] الإرب - محركة - : الحاجة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 97 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري