عليه ، وهذا لا يعرفه إلا من عرف الطريق والمقصد والعائق وطريق السلوك وقد أشرنا إلى تلويحات منه في كتاب العلم وفي ربع المهلكات ، بل نقول : شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر في النعيم في الآخرة لتزيد رغبته ، ولكن إن كان شابّا فلا ينبغي أن يطيل فكره في كلّ ماله نظير في الدّنيا كالحور والقصور فإنّ ذلك الفكر ربّما يحرّك رغبته فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة ، بل ينبغي إن يتفكَّر في لذّة جوار اللَّه فقطَّ فإنّ ذلك لا نظير له في الدّنيا فكذلك تذكَّر الذّنب قد يكون محرّكا للشهوة ، فالمبتدي أيضا قد يستضرّ به فيكون النسيان أفضل له عند ذلك ولا يصدنّك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من بكاء داود ونياحته عليه السّلام فإنّ قياسك نفسك على الأنبياء قياس في غاية الاعوجاج لأنّهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم إلى الدّرجات اللائقة بأمّتهم فإنّهم ما بعثوا إلا لإرشادهم فعليهم التلبّس بما تنتفع أمّتهم بمشاهدته وإن كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم فلقد كان في الشيوخ من لا يشير على مريده بنوع رياضة إلا ويخوض معه فيها ، وقد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة وتأديب النفس ولكن تسهيلا للأمر على المريد ، ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أما إنّي لا أنسى ولكنّي أنسى لأشرّع » [ 1 ] ولا تعجب من هذا فإنّ الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء وكالمواشي في كنف الرّعاة أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصبيّ كيف ينزل إلى درجة نطق الصبيّ كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم للحسن عليه السّلام : « كخ كخ » لما أخذ تمرة من الصّدقة ووضعها في فيه ( 1 ) وما كانت فصاحته تقصر عن أن يقول : ارم هذه التمرة فإنّها حرام ولكنّه إذ علم أنّه لا يفهم منطقه ترك فصاحته ونزل إلى لكنته بل الَّذي يعلَّم شاة أو طائرا يصوت به رغاء أو صفيرا تشبّها بالبهيمة والطائر تلطَّفا في تعليمه ، فإيّاك أن تغفل عن أمثال هذه الدّقائق فإنّها مزلَّة أقدام العارفين فضلا عن الغافلين .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 78
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٨
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 2 ص 150 من حديث أبي هريرة .
[ 1 ] ما عثرت على أصل له إلا على ما في الموطأ هكذا « عن مالك بلغه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : « إني لأنسى أو أنستي لأسنّ » راجع الموطأ ج 1 ص 91 .