تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أنّ ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف قصده عن الزّنى لو ظهر قصده فإذن لا يستحيل أن تبلغ قوّة الندم في حقّ العنّين هذا المبلغ إلا أنّه لا يعرفه من نفسه فإنّ كلّ من لا يشتهي شيئا يقدّر نفسه قادرا على تركه بأدنى خوف واللَّه مطَّلع على ضميره وعلى مقدار تندّمه فعساه يقبله منه بل الظاهر أنّه يقبله والحقيقة في هذا ترجع إلى أنّ ظلمة المعصية تنمحي عن القلب بشيئين أحدهما حرقة الندم والآخر شدّة المجاهدة بالترك في المستقبل ، وقد امتنعت المجاهدة بزوال الشهوة ولكن ليس محالا أن يقوى الندم بحيث يقوى على محوها دون المجاهدة ، ولولا هذا لقلنا : إنّ التوبة لا تقبل ما لم يعش التائب بعد التوبة مدّة يجاهد نفسه في عين تلك الشهوة مرّات كثيرة وذلك ممّا لا يدلّ ظاهر الشرع على اشتراطه أصلا . فإن قلت : إذا فرضنا تائبين أحدهما سكنت نفسه عن النزوع إلى الذّنب والآخر بقي في نفسه نزوع إليه وهو يجاهدها ويمنعها فأيّهما أفضل ؟ فاعلم أنّ هذا ممّا اختلف العلماء فيه ، فقال قوم : إنّ المجاهد أفضل لأنّ له مع فضل التوبة فضل الجهاد ، وقال آخرون : ذلك الآخر أفضل لأنّه لو فتر في توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد الَّذي هو في عرضة الفتور عن المجاهدة وما قاله كلّ واحد من الفريقين لا يخلو عن حقّ وعن قصور عن كمال الحقيقة . والحقّ فيه أنّ الَّذي انقطع نزوع نفسه له حالتان أحداهما أن يكون انقطاع نزوعه إليها بفتور في نفس الشهوة فقطَّ ، فالمجاهد أفضل من هذا إذ تركه بالمجاهدة قد دلّ على قوّة يقينه واستيلاء دينه على شهوته ، فهو دليل قاطع على قوّة اليقين وعلى قوّة الدّين وأعني بقوّة الدّين قوّة الإرادة الَّتي تنبعث بإشارة اليقين وتقمع الشهوة المنبعثة بإشارة الشياطين فهاتان قوّتان تدلّ المجاهدة عليهما قطعا وقول القائل : إنّ هذا أسلم إذ لو فتر لا يعود إلى الذّنب . فهذا صحيح ولكن استعمال لفظ الأفضل فيه خطأ وهو كقول القائل : العنّين أفضل من الفحل لأنّه في أمن من خطر الشهوة ، والصبيّ أفضل من البالغ لأنّه أسلم والمفلس أفضل من الملك القاهر القامع لأعدائه لأنّ المفلس لا عدوّ له والملك ربّما