أي الحين بعد الحين ، وكلّ ذلك أدلَّة قاطعة على أنّ هذا القدر لا ينقض التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرّين ، ومن يؤيس مثل هذا عن درجة التائبين كالطبيب الَّذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحّة بما يتناوله من الفواكه والأطعمة الحارّة مرّة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار ، وكالفقيه الَّذي يؤيس المتفقّه عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة غير متطاولة ولا كثيرة ، وذلك يدلّ على نقصان الطبيب والفقيه ، بل الفقيه في الدّين هو الَّذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتّفق لهم من الفترات ومقارفة السيّئات المختطفات قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوّابون المستغفرون » ( 1 ) . وقال أيضا : « المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه » [ 1 ] أي واه بالذّنوب راقع بالتوبة والندم . وقال تعالى : « أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيّئة » ( 2 ) فما وصفهم بعدم السيّئة أصلا . الطبقة الثالثة أن يتوب ويستمرّ على الاستقامة مدّة ثمّ تغلبه شهوته في بعض الذّنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنّه مع ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذّنوب مع القدرة والشهوة وإنّما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يودّ لو أقدره اللَّه على قمعها وكفاه شرّها هذا أمنيّته في حال قضاء الشهوة وعند الفراغ يتندّم ويقول : ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها ، لكنّه تسوّل نفسه ويسوّف توبته مرّة بعد أخرى ويوما بعد يوم ، فهذه النفس هي الَّتي تسمّى النفس المسوّلة صاحبها من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 81
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨١
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي واستغربه وابن ماجة تحت رقم 4251 والحاكم ج 4 ص 244 وصحح اسناده وأخرجه أحمد من حديث أنس كما في الفتح الرباني ج 19 ص 337 .
( 2 ) القصص : 54 .
[ 1 ] رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار أيضا من حديث جابر وقال الطبراني : معنى واه يعنى مذنب وراقع يعنى تائب مستغفر وفي سنده ضعف كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 201 لمقام الخالد الخزاعي