يغلب مرّة وإن غلب مرّات وهذا كلام رجل سليم القلب قاصر النّظر على الظَّواهر غير عالم بأنّ العزّ في الأخطار وأنّ العلوّ شرطه اقتحام الأغوار ، بل هو كقول القائل : الصيّاد الَّذي ليس له فرس ولا كلب أفضل في صناعة الاصطياد وأعلى رتبة من صاحب الكلب والفرس لأنّه آمن من أن يجمع به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند السّقوط على الأرض وآمن من أن يعضّه الكلب ويعتدي عليه ، فهذا خطأ بل صاحب الفرس والكلب إذا كان قويّا عالما بطريق تأديبهما أعلى رتبة وأحرى بدرك سعادة الصيّد ، والحالة الثانية أن يكون بطلان النزوع بسبب قوّة اليقين وصدق المجاهدة السابقة إذ بلغ مبلغا قمع هيجان الشهوة حتّى تأدّبت بأدب الشّرع فلا تهيج إلا بالإشارة من الدّين وقد سكنت بسبب استيلاء الدّين عليه ، فهذا أعلى رتبة من المجاهد المقاسي لهيجان الشهوة وقمعها وقول القائل : ليس لذلك فضل الجهاد قصور عن الإحاطة بمقصود الجهاد ، فإنّ الجهاد ليس مقصودا لعينه بل المقصود منه قطع ضراوة العدوّ حتّى لا يستجرّك إلى شهواته ، وإن عجز عن استجرارك فلا يصدّك عن سلوك طريق الدّين فإذا قهرته وحصّلت المقصود فقد ظفرت وما دمت في المجاهدة فأنت بعد في طلب الظَّفر . ومثاله كمثال من قهر العدوّ واسترقّه بالإضافة إلى من هو مشغول بالجهاد في صفّ القتال ولا يدري كيف يسلم ومثاله أيضا مثال من علَّم كلب الصيد وراض الفرس فهما نائمان عنده بعد ترك الكلب الضراوة والفرس الجماح بالإضافة إلى من هو مشغول بمقاساة التأديب بعد ، ولقد زلّ في هذا فريق فظنّوا أنّ الجهاد هو المقصود الأقصى ، ولم يعلموا أنّ ذلك طلب للخلاص من عوائق الطريق ، وظنّ آخرون أنّ قمع الشّهوات وإماطتها بالكلَّيّة مقصود حتّى جرّب بعضهم نفسه فعجز عنه فقال : هذا محال فكذّب بالشرع وسلك سبيل الإباحة واسترسل في اتّباع الشهوات ، وكلّ ذلك جهل وضلال ، وقد قرّرنا ذلك في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات .
فإن قلت : فما قولك في تائبين أحدهما نسي الذّنب ولم يشتغل بالتفكَّر فيه والآخر جعله نصب عينه ولا يزال يتفكَّر فيه ويحترق ندما عليه فأيّهما أفضل ؟
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 76
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٦