تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠

الطبقة الثانية : تائب سلك طريق الاستقامة في أمّهات الطاعات وكبائر الفواحش كلَّها إلا أنّه ليس ينفكّ عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وتجريد قصد ولكن يبتلى بها في مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنّه كلَّما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسّف وجدّد عزمه على أن يتشمّر للاحتراز من أسبابها الَّتي تعرّضه لها ، وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللَّوّامة ، إذ تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذّميمة لا عن تصميم عزم وتخمين رأي وقصد ، وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهي أغلب أحوال التائبين لأنّ الشرّ معجون بطينة الآدميّ قلَّما ينفكّ عنه وإنّما غاية سعيه أن يغلب خيره شرّه حتّى يثقل ميزانه فترجّح كفّة الخيرات فأمّا أن تخلو بالكلَّية كفّة السيّئات فذلك في غاية البعد ، وهؤلاء لهم حسن الوعد من اللَّه تعالى إذ قال تعالى : « الَّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمم إنّ ربّك واسع المغفرة » ( 1 ) فكلّ إلمام يقع بصغيرة لا عن توطين نفس عليه فهو جدير بأن يكون من اللَّمم المعفوّ عنه ، وقد قال تعالى : « والَّذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذّنوب إلا اللَّه » ( 2 ) فأثنى عليهم من ظلمهم أنفسهم لتندّمهم ولومهم أنفسهم عليه وإلى مثل هذه الرّتبة الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيما رواه عليّ عليه السّلام « خياركم كلّ مفتّن توّاب » [ 1 ] وفي خبر آخر « المؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا وتميل أحيانا » ( 3 ) وفي الخبر « لا بدّ للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة » ( 4 )

هامش
( 1 ) النجم : 32 .
( 2 ) آل عمران : 135 .
( 3 ) أخرجه أبو يعلى من حديث أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير . وقال العراقي : وفي الأمثال للرامهرمزي اسناده جيد .
( 4 ) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بسند جيد كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 201 .
[ 1 ] أخرجه البيهقي في الشعب عن علي عليه السّلام بسند صحيح كما في الجامع الصغير . وأخرج أحمد باسناده عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ان اللَّه يحب العبد المؤمن المفتن التواب » . والمفتن - بفتح التاء - الذي يفتن ويمتحن بالذنوب .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 80 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري