فاعلم أنّ هذا أيضا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم : حقيقة التّوبة أن تنصب ذنبك ؟ ؟ ؟ عينيك . وقال آخر : حقيقة التوبة أن تنسي ذنبك وكلّ واحد من المذهبين عندنا حقّ ولكن بالإضافة إلى حالين وكلام المتصوّفة أبدا يكون قاصرا فإنّ عادة كلّ واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقطَّ ولا يهمّه حال غيره ، فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال ، وهذا نقصان بالإضافة إلى درجة العلم فإنّ معرفة الأشياء على ما هو عليه أفضل وأعلى ولكنّه كمال بالإضافة إلى الهمّة والإرادة والجدّ حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال نفسه لا يهمّه أمر غيره إذ طريقه إلى اللَّه نفسه ومنازله أحواله ، وقد يكون طريق العبد إلى اللَّه العلم والتعليم فالطرق إلى اللَّه كثيرة وإن كانت مختلفة في القرب والبعد ، واللَّه أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك في أصل الهداية .
فأقول : تصوّر الذّنب وذكره والتفجّع عليه كمال في حقّ المبتدي المريد ، لأنّه إذا نسيه لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق ولأنّ ذلك يستخرج منه الحزن والخوف الوازع عن الرّجوع إلى مثله فهو بالإضافة إلى الغافل كمال ولكنّه بالإضافة إلى سالك الطريق نقصان فإنّه شغل مانع عن سلوك الطريق بل سالك الطريق ينبغي أن لا يعرّج على غير السّلوك فإن ظهر له مبادي الوصول وانكشف له أنوار المعرفة ولوامع الغيب استغرقه ذلك ، ولم يبق فيه متّسع للالتفات إلى ما سبق من أحواله وهو الكمال ، بل لو عاق المسافر عن الطريق إلى بلدة من البلاد نهر حاجز طال تعب المسافر في عبوره من حيث إنّه كان قد خرب جسره من قبل فلو جلس على شاطئ النّهر بعد عبوره يبكي متأسّفا على تخريبه الجسر كان هذا مانعا آخر اشتغل به بعد الفراغ من ذلك المانع نعم إن لم يكن الوقت وقت الرّحيل بأن كان ليلا فتعذّر السلوك وكان على طريقه أنهار وهو يخاف على نفسه أن يمرّ بها فليطل باللَّيل بكاؤه وحزنه على تخريب الجسر ليتأكَّد بطول الحزن عزمه على أن لا يعود إلى مثله ، فإن حصل له من التنبّه ما وثق بنفسه أنّه لا يعود إلى مثله فسلوك الطريق أولى به من الاشتغال بذكر تخريب الجسر والبكاء
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 77
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٧