هذا فهم أن غلبة الخوف للشهوة في بعض الذّنوب ممكن وجودها والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم والندم يورث العزم ، وقد قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الندم توبة » ( 1 ) ولم يشترط الندم على كلّ ذنب . وقال عليه السّلام : « التائب من الذّنب كمن لا ذنب له » [ 1 ] ولم يقل التائب من الذّنوب كلَّها ، وبهذه المعاني تبيّن [ 2 ] أنّ التوبة عن بعض الذّنوب غير ممكنة لأنّها متماثلة في حقّ الشهوة وفي حقّ التعرّض لسخط اللَّه نعم يجوز أن يتوب عن الخمر دون النبيذ لتفاوتهما في اقتضاء السخط ويتوب عن الكثير دون القليل لأنّ لكثرة المعصية تأثيرا في كثرة العقوبة ، فيساعد الشهوة بالقدر الَّذي يعجز عنه ويترك بعض شهوته للَّه كالمريض الَّذي حذّره الطبيب الفاكهة فإنّه قد يتناول قليلها ولكن لا يستكثر منها فقد حصل من هذا أنّه لا يمكن أن يتوب عن شيء ولا يتوب عن مثله بل لا بدّ أن يكون ما تاب عنه مخالفا لما بقي عليه ، إمّا في شدّة المعصية وإمّا في غلبة الشهوة ، وإذا حصل هذا التفاوت في اعتقاد التائب تصوّر اختلاف حاله في الخوف والندم فيتصوّر اختلاف حاله في الترك فندمه على ذلك الذّنب ووفاؤه بعزمه على الترك يلحقه بمن لم يذنب وإن لم يكن قد أطاع اللَّه في جميع الأوامر والنواهي . فإن قلت : فهل تصحّ توبة العنّين من الزّنى الَّذي قارفه قبل طريان العنّة ؟ فأقول : لا ، لأنّ التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله وما لا يقدر على فعله فقد انعدم بنفسه لا بتركه إيّاه ، ولكنّي أقول : لو طرأ عليه بعد العنّة كشف ومعرفة تحقّق به ضرر الزّنى الَّذي قارفه وثار منه احتراق وتحسّر وتندّم بحيث لو كانت شهوة الوقاع به باقية لكان حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها فإنّي أرجو أن يكون ذلك مكفّرا لذنبه وماحيا عنه سيّئته إذ لا خلاف في أنّه لو تاب قبل طريان العنّة ومات عقيبها كان من التائبين وإن لم يطرء عليه حالة تهيج فيها الشهوة وتتيسّر أسباب قضاء الشهوة ولكنّه تائب باعتبار
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 74
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٤
هامش
( 1 ) تقدم أول الباب .
[ 1 ] تقدم غير مرة في الباب . وفي استدلاله بالخبر تأمل لأن المراد الجنس لا النوع .
[ 2 ] كذا وفي الاحياء زاد هنا « سقوط قول القائل : » .