تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠

وعن الصادق عليه السّلام « إنّ اللَّه يحبّ العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ويبغض العبد أنّ يستخفّ بالجرم اليسير » ( 1 ) . ومنها ( 2 ) السّرور بالصغيرة والفرح والتبجّح بها واعتداد التمكَّن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة فكلَّما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه حتّى أنّ من المذنبين من يتمدّح بذنبه ويتبجّح به لشدّة فرحه بمقارفته إيّاه كما تقول : أما رأيتني كيف مزّقت عرضه ويقول المناظر في مناظرته : أما رأيتني كيف فضحته وكيف ذكرت مساويه حتّى أخجلته وكيف استخففت به وكيف لبّست عليه ويقول المعامل في التجارة ، أما رأيت كيف روّجت عليه الزّايف وكيف خدعته وكيف غبنته في ماله وكيف استحمقته فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر فإنّ الذّنوب مهلكات وإذا دفع العبد إليها وظفر الشيطان به في الحمل عليها فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسّف بسبب غلبة العدوّ عليه وبسبب بعده من اللَّه تعالى فالمريض الَّذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الَّذي فيه دواؤه حتّى يتخلَّص من ألم شربه لا يرجى شفاؤه . ومنها أن يتهاون بستر اللَّه عليه وحلمه عنه وإمهاله إيّاه ولا يدري أنّه إنّما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما فيظنّ أنّ تمكَّنه من المعاصي عناية من اللَّه تعالى به فيكون ذلك لأمنه من مكر اللَّه وجهله بمكامن الغرور باللَّه كما قال تعالى : « ويقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا اللَّه بما نقول حسبهم جهنّم يصلونها فبئس المصير » ( 3 ) . ومنها أن يأتي الذّنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره فإنّ ذلك منه جناية على ستر اللَّه الَّذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشرّ فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمّتا إلى جنايته فتغلَّظت به فإن انضاف إلى ذلك التّرغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر وفي الخبر « كلّ الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على

هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 427 تحت رقم 6 .
( 2 ) من كلام الغزالي .
( 3 ) المجادلة : 8 .