تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩

آلاف سنة درجات متفاوتة من اليوم والأسبوع والشهر وسائر المدد وأنّ الاختلاف بالشدّة لا نهاية لأعلاه وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب كما أنّ الملك قد يعذّب بعض المقصّرين في الأعمال بالمناقشة في الحساب ثمّ يعفو ، وقد يضرب بالسياط ، وقد يعذّب بأنواع أخر من العذاب ، ويتطرّق إلى العذاب اختلاف ثالث غير المدّة والشدّة وهو اختلاف الأنواع إذ ليس من يعذّب بمصادرة المال فقطَّ كمن يعذّب بأخذ المال وبقتل الولد واستباحة الحريم وتعذيب الأقارب والضرب وقطع اللَّسان واليد والأنف والأذن وغيره ، فهذه الاختلافات ثابتة في عذاب الآخرة دلّ عليها قواطع الشرع وهي بحسب اختلاف قوّة الإيمان وضعفه وكثرة الطاعات وقلَّتها وكثرة السيّئات وقلَّتها . أمّا شدّة العذاب فبشدّة قبح السيّئات ، وكبرها ، وأمّا كثرته فبكثرتها ، وأمّا اختلاف أنواعه فباختلاف أنواع السيّئات وقد انكشف هذا لأرباب القلوب مع شواهد القرآن بنور الإيمان ، وهو المعنيّ بقوله تعالى : « وما ربّك بظلام للعبيد » ( 1 ) وبقوله : « اليوم تجزى كلّ نفس بما كسبت » ( 2 ) وبقوله : « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى » ( 3 ) وبقوله : « فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره » ( 4 ) إلى غير ذلك ممّا ورد في الكتاب والسّنة من كون الثواب والعقاب جزاء على الأعمال وكلّ ذلك بعدل لا ظلم فيه ، وجانب العفو والرّحمة أرجح إذ قال تعالى فيما أخبر عنه نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « سبقت رحمتي غضبي » ( 5 ) وقال تعالى : « وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما » ( 6 ) فإذن هذه الأمور الكلَّية من ارتباط الدّرجات والدّركات بالحسنات والسيّئات معلومة بقواطع الشرع ونور المعرفة ، فأمّا التفصيل فلا يعرف إلا ظنّا ومستنده ظواهر الأخبار ونوع حدس يستمدّ من أنوار الاستبصار بعين الاعتبار فنقول : كلّ من أحكم أصل الإيمان واجتنب جميع الكبائر وأحسن جميع

هامش
( 1 ) فصلت : 46 .
( 2 ) غافر : 17 .
( 3 ) النجم : 39 .
( 4 ) الزلزلة : 7 و 8 .
( 5 ) أخرجه البخاري ج 9 ص 166 ومسلم ج 8 ص 95 من حديث أبي هريرة .
( 6 ) النساء : 40 .