قصّر في الوفاء بمقتضاه فإنّ رأس الإيمان هو التوحيد وهو أن لا يعبد إلا اللَّه ، ومن اتّبع هواه فقد اتّخذ إلهه هواه فهو موحّد بلسانه لا بالحقيقة ، بل معنى قولك : « لا إله إلا اللَّه » معنى قوله تعالى : « قل اللَّه ثمّ ذرهم » ( 1 ) وهو أن تذر بالكلَّية غير اللَّه ومعنى قوله « الَّذين قالوا ربّنا اللَّه ثمّ استقاموا » ( 2 ) ولمّا كان الصراط المستقيم الَّذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة فلا ينفكّ بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير ، إذا لا يخلو عن اتّباع الهوى ولو في فعل قليل وذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجة القرب ومع كلّ نقصان ناران نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان ، ونار جهنّم كما وصفها القرآن فيكون كلّ مائل عن الصراط المستقيم معذّبا مرّتين من وجهين ولكن شدّة ذلك العذاب وخفّته وتفاوته بحسب طول المدّة إنّما يكون بسبب أمرين أحدهما قوّة الإيمان وضعفه ، والثاني كثرة اتّباع الهوى وقلَّته وإذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين قال اللَّه تعالى : « وإن منكم إلا واردها كان على ربّك حتما مقضيّا . ثمّ ننجّي الَّذين اتّقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا » ( 3 ) ولذلك قال الخائفون من السلف : إنّما خوفنا لأنّا تيقّنا أنّا على النار واردون وشككنا في النجاة ، ولما روى الحسن الخبر الوارد فيمن يخرج من النار بعد ألف عام وأنّه ينادي يا حنّان يا منّان . ( 4 ) قال الحسن : يا ليتني كنت ذلك الرجل . واعلم أنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ آخر من يخرج من النار بعد سبعة آلاف سنة وأنّ الاختلاف في المدّة بين اللَّحظة وبين سبعة آلاف سنة حتى يجوز بعضهم على النار كبرق خاطف ولا يكون له فيها لبث ، وبين اللَّحظة وبين سبعة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 48
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٨
هامش
( 1 ) الانعام : 91 .
( 2 ) فصلت : 30 .
( 3 ) مريم : 71 و 72 .
( 4 ) قال العراقي : أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملي عن أنس وأبو ظلال ضعيف واسمه هلال بن ميمون .