تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
علم أنّ الخيرة لي كانت في وجودها إلى الآن والخيرة لي الآن في عدمها لما أخذها منّي وبمثل هذا يتصوّر أن يندفع الحزن عنه إذ به يخرج عن أن يكون فرحه بالأسباب من حيث أنّها أسباب بل من حيث إنّه يسّرها مسبّب الأسباب عناية به وتلطَّفا وهو كالمريض بين يدي الطبيب الشفيق يرضى بما يفعله فإن قدّم إليه الغذاء فرح وقال : لولا أنّه عرف أنّ الغذاء ينفعني وقد قويت على احتماله لما قدّمه إليّ وإن أخّر عنه الغذاء بعد ذلك أيضا فرح وقال : لولا أنّ الغذاء يضرّني ويسوقني إلى الموت لما حال بيني وبينه ، وكلّ من لا يعتقد في لطف اللَّه ما يعتقده المريض في الوالد المشفق الحاذق بعلم الطبّ فلا يصحّ منه التوكَّل أصلا ومن عرف اللَّه وعرف أفعاله وعرف سنّته في إصلاح عباده لم يكن فرحه بالأسباب فإنّه لا يدري أيّ الأسباب خير له وكذلك ينبغي أن لا يبالي المتوكَّل بسرقة متاعه أو ببقائه فإنّه لا يدري أيّهما خير له في الدّنيا وفي الآخرة ، فكم من متاع في الدّنيا يكون سبب هلاك الإنسان وكم من غني يبتلى بواقعة لأجل غناه يقول : يا ليتني كنت فقيرا . أقول : ثمّ ذكر أبو حامد آداب المتوكَّلين إذا سرق متاعهم ولمّا لم يكن لها كثير فائدة ولا خصوص مناسبة لباب التوكَّل طويناها . * ( الفنّ الرّابع السّعي في إزالة الضّرر كمداواة المرض وغيرها ) * اعلم أنّ الأسباب المزيلة للضرر أيضا تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب المسهل وسائر أبواب الطبّ أعني معالجة البرودة بالحرارة ومعالجة الحرارة بالبرودة وهي الأسباب الظاهرة في الطبّ وإلى موهوم كالكيّ والرّقية أمّا المقطوع به فليس من التوكَّل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت ، وأمّا الموهوم فشرط التوكَّل تركه إذ به وصف رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم المتوكَّلين وأقواها الكيّ ويليه الرّقية والطيرة آخر درجاتها والاعتماد عليها والاتّكال إليها غاية التعمّق في ملاحظة الأسباب ، وأمّا الدّرجة المتوسّطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطبّاء ففعله ليس مناقضا للتوكَّل بخلاف الموهوم وتركه ليس محظورا بخلاف المقطوع به بل قد يكون أفضل