« نعم أجر العاملين الَّذين صبروا وعلى ربّهم يتوكَّلون » ( 1 ) وهذا في أذى النّاس ، وأمّا الصبر على أذى السباع والحيّات والعقارب وترك دفعها ليس من التوكَّل في شيء إذ لا فائدة فيه ولا يراد السعي ولا ترك السعي لعينه بل لا عانته على الدّين وترتّب الأسباب ههنا كترتّبها في الكسب وجلب المنافع فلا نطول بالإعادة ، وكذلك في الأسباب الدّافعة عن المال فلا ينقص التوكَّل بإغلاق باب البيت عند الخروج ولا بأن يعقل البعير لأنّ هذه الأسباب عرفت بسنّة اللَّه تعالى إمّا قطعا وإمّا ظنّا ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم للأعرابي لما أن أهمل البعير وقال : توكَّلت على اللَّه . فقال : « اعقلها وتوكَّل » ( 2 ) وقال تعالى : « خذوا حذركم » ( 3 ) وقال في كيفيّة صلاة الخوف : « وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم » ( 4 ) وقال : « وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل » ( 5 ) وقال لموسى عليه السّلام « فاسر بعبادي ليلا » ( 6 ) والتحصين باللَّيل اختفاء عن أعين الأعداء ونوع تسبّب واختفى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في الغار اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر . وأخذ السلاح في الصلاة فليس دافعا قطعا كقتل الحيّة والعقرب فإنّه يكون دافعا قطعا ولكن أخذ السلاح سبب مظنون وقد بيّنا أنّ المظنون كالمقطوع به ، وإنّما الموهوم هو الَّذي يقتضي التوكَّل تركه فان قلت : فقد حكي عن جماعة أنّ الأسد وضع يديه على كتفيه ولم يتحرّك ؟ فأقول : وقد حكي عن جماعة أنّهم ركبوا الأسد وسخّروه ولا ينبغي أن يعول على ذلك فإنّه وإن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح الاقتداء بطريق التعلَّم من الغير بل ذلك مقام رفيع في الكرامات وليس ذلك شرطا في التوكَّل وفيه أسرار لا تقف عليها ما لم تنته إليها . فإن قلت : وهل من علامة أعلم بها أنّي قد وصلت إليها ؟ فأقول : الواصل لا يحتاج إلى طلب العلامات ولكن من العلامات السابقة عليه أن يسخّر لك كلب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 426
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٢٦
هامش
( 1 ) النحل : 41 و 42 .
( 2 ) رواه الترمذي من حديث أنس .
( 3 ) النّساء : 71 .
( 4 ) النساء : 72 .
( 5 ) الأنفال : 60 .
( 6 ) الدخان : 23 .