من الدّنيا ولا يفرح بما يأتي بل قد يكون على العكس منه فكيف يصحّ له التوكَّل نعم قد صحّ له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسّس وإن كان لا يقدر على ذلك حتّى تأذّى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب بنفسه فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنّها ظهر له قصوره عن جميع المقامات وكذبه في جميع الدّعاوي فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتّى لا يصدق نفسه في دعاويها ولا يتدلَّى بحبل غرورها فإنّها خدّاعة أمّارة بالسوء ومدّعية للخير .
فإن قلت : فكيف يكون للمتوكَّل مال حتّى يؤخذ ؟ فأقول : المتوكَّل لا يخلو بيته عن متاع كقصعة يأكل فيها وكوز يشرب منه وإناء يتوضّأ منه وجراب يحفظ به زاده وعصا يدفع به عدوّه وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادّخاره على هذه النيّة مبطلا لتوكَّله وليس من شرط التوكَّل إخراج الكوز الَّذي يشرب منه والجراب الَّذي فيه زاده وإنّما ذلك في المأكول وفي كلّ مال زائد على قدر الضرورة لأنّ سنّة اللَّه جارية بوصول الخير إلى الفقراء المتوكَّلين في زوايا المساجد وما جرت السنّة بتفرقة الكيزان والأمتعة في كلّ يوم ولا في كلّ أسبوع والخروج عن سنّة اللَّه ليس شرطا في التوكَّل .
فإن قلت : فكيف يتصوّر أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الَّذي هو محتاج إليه ولا يتأسّف عليه فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه وأغلق الباب عليه وإن أمسكه لأنّه يشتهيه لحاجته إليه فكيف لا يتأذّى ولا يحزن وقد حيل بينه وبين ما يشتهيه ؟ فأقول : إنّما كان يحفظه ليستعين به على دينه إذا كان يظنّ أنّ الخيرة له في أن يكون له ذلك المتاع ولولا أنّ الخيرة له فيه لما رزقه اللَّه ولما أعطاه فاستدلّ على ذلك بتيسير اللَّه وحسن الظنّ باللَّه مع ظنّه أنّ ذلك معين له على أسباب دينه ولم يكن ذلك عنده مقطوعا به إذ يحتمل أن يكون خيرته في أن يبتلى بفقد ذلك حتّى ينصب في تحصيل غرضه ويكون ثوابه في النصب والتعب أكثر ، فلمّا أخذه اللَّه منه بتسليط اللَّصّ ما تغيّر قلبه لأنّه في جميع الأحوال واثق باللَّه حسن الظنّ به فيقول : لولا أنّ اللَّه تعالى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 428
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٢٨