ثمّ أخبر « انّ اللَّه يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه » ( 1 ) تطييبا لقلوب الضعفاء حتّى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدّرجات فما أرسل صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إلا رحمة للعالمين كلَّهم على اختلاف أصنافهم ودرجاتهم فإذا فهمت هذا علمت أنّ الادّخار قد يضرّ بعض الناس وقد لا يضرّ . * ( الفنّ الثالث في مباشرة الأسباب الدّافعة للضّرّر المتعرّض للخوف ) * اعلم أنّ الضرر قد يتعرّض للخوف في نفس أو مال وليس من شروط التوكَّل ترك الأسباب الدّافعة رأسا أمّا في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجرى السيل من الوادي أو تحت الجدار المائل أو السقف المنكسر فكلّ ذلك منهيّ عنه وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فايدة ، نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها وإلى مظنون وإلى موهوم فترك الموهوم منها من شرط التوكَّل وهي الَّتي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكيّ والرّقية فانّ الكيّ والرّقية قد يقدّم على المحذور دفعا لما يتوقّع ، فقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يصف المتوكَّلين إلا بترك الكيّ والرّقية والطيرة ولم يصفهم بأنّهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبّة والجبّة تلبس دفعا للبرد المتوقّع وكذلك كلّ ما في معناها من الأسباب ، نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج للسفر في الشتاء تهييجا لقوّة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمّق في الأسباب والتعويل عليها فيكاد يقرب من الكيّ بخلاف الجبّة ولترك الأسباب الدّافعة وإن كانت مقطوعة بها وجه إذا نال الضرر من إنسان فإنّه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدّفع والتشفّي فشرط التوكَّل الاحتمال والصبر قال تعالى : « فاتّخذه وكيلا واصبر على ما يقولون » ( 2 ) وقال : « ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى اللَّه فليتوكَّل المتوكَّلون » ( 3 ) وقال : « ودع أذيهم وتوكَّل على اللَّه » ( 4 ) وقال : « فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل » ( 5 ) وقال :
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 425
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٢٥
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وعن ابن مسعود بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
( 2 ) المزمل : 10 .
( 3 ) إبراهيم : 12 .
( 4 ) الأحزاب : 48 .
( 5 ) الأحقاف : 35 .