ثمّ دفع إليّ الرّقعة وقال : اخرج ولا تعلَّق قلبك بغير اللَّه وادفع الرّقعة إلى أوّل من يلقاك ، فخرجت فأوّل من لقيني كان رجلا على بغلة فناولته الرّقعة فأخذها ونظر فيها وبكى وقال : ما فعل صاحب هذه الرّفعة فقلت : هو في المسجد الفلاني فدفع إليّ صرّة فيها ستّمائة دينار ثمّ لقيت رجلا آخر فسألته عن راكب البغلة ، فقال : هذا نصرانيّ فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصّة فقال : لا تمسّها فإنّه يجيء الساعة فلمّا كان بعد ساعة دخل النصرانيّ علينا فأكبّ على رأس إبراهيم فقبّله وأسلم . ثمّ ذكر أبو حامد حكايات غريبة وروايات عجيبة من هذا القبيل . أقول : إن صحّت تلك الوقائع فهي مخصوصة بطوائف بلغوا من الرّياضة حدّا لا يبلغ إليه من ألف ألف إلا واحد أو اثنان ثمّ بعد يبقى النظر في أنّه هل هو محمود أم لا ولا يجوز تكليف عامّة الناس بذلك من غير إذن من الشرع ولا إذن بل ورد الأمر بخلافه . ثمّ أخذ أبو حامد في بيان توكَّل المعيل والفرق بينه وبين المنفرد وبسط القول فيه بما لا طائل تحته واشترط في صحّة توكَّل المنفرد أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه علما بأنّ رزقه الموت والجوع ، قال : وهو وإن كان نقصانا في الدّنيا فهو زيادة في الآخرة فيرى أنّه سيق إليه خير الرّازقين له وهو رزق الآخرة وأنّ هذا هو المرض الَّذي يموت به فيكون راضيا بذلك وأنّه كذا قضى وقدّر فبهذا يتمّ التوكَّل . أقول : لا يخفى فساد هذا القول فإنّ توطين النفس على الموت اختيارا منهيّ عنه شرعا فإنّه تعزير بالنّفس وتعرّض للهلاك قال اللَّه تعالى : « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » ( 1 ) . ثمّ قال : بل التحقيق أنّه لا فرق بينه وبين عياله فإنّه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدّة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكَّل في حقّهم ، ونفسه أيضا عيال عنده ولا يجوز له أن يضيّعها إلا بأن تساعده على الصبر مع الجوع مدّة فإن كان يطيقه ويضطرب عليه قلبه ويتشوّش عبادته لم يجز
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 422
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٢٢
هامش
( 1 ) البقرة : 195 .