تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨

تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربّهم الهدى » وهو سبب اليقين إلا أنّهم معرضون عنه ، فإذن الجبن والجرأة غرائز ولا ينفع اليقين معها فهي أحد الأسباب الَّتي تضادّ حال التوكَّل كما أنّ ضعف اليقين بالخصال الأربعة أحد الأسباب وإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة باللَّه وقد قيل : مكتوب في التورية ملعون من ثقته إنسان مثله ، وقد قال عليه السّلام : « من استعزّ بالعبيد أذلَّه اللَّه » ( 1 ) وإذا انكشف معنى التوكَّل وعلمت الحالة الَّتي سمّيت توكَّلا ، فاعلم أنّ تلك الحالة لها في القوّة والضعف ثلاث درجات : الأولى ما ذكرناه وهي أن يكون حاله في حقّ اللَّه والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل ، الثانية وهو أقوى أن يكون حاله مع اللَّه كحال الطفل مع أمّه فإنّه لا يعرف غيرها ، ولا يفزع إلى ما سواها ، ولا يعتمد إلا عليها فإن رآها تعلَّق بها في كلّ حال وتشبّث بذيلها ولم يخلها ، وإن نابه أمر في غيبتها كان أوّل سابق إلى لسانه : يا أمّاه وأوّل خاطر يخطر على قلبه أمّه ، فإنّها مفزعه لأنّه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الَّذي له ويظنّ أنّه طبع من حيث إنّ الصبيّ لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلقين لفظها ولا على إحضارها مفصّلة في ذهنه ، ولكن كلّ ذلك وراء الإدراك فمن كان باله إلى اللَّه ونظره إليه واعتماده عليه كلَّف به كما يكلَّف الصبيّ بأمّه فيكون متوكَّلا حقّا فإنّ الطفل متوكَّل على أمّه والفرق بين هذا وبين الأوّل أنّ هذا متوكَّل وقد فنى في توكَّله عن توكَّله ، إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكَّل وحقيقته بل إلى المتوكَّل عليه فقطَّ ، فلا مجال في قلبه لغير المتوكَّل عليه ، وأمّا الأوّل فمتوكَّل بالتكلَّف والكسب وليس فانيا عن توكَّله ، أي له التفات إلى توكَّله وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكَّل عليه وحده ، وإلى هذه الدّرجة أشار سهل حيث سئل عن التوكَّل ما أدناه ؟ قال : ترك الأمانيّ ، قيل فأوسطه ؟ قال : ترك الاختيار ، وهو

هامش
( 1 ) قال العراقي : أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر ، أورده العقيلي في ترجمة عبد اللَّه بن عبد اللَّه الأموي ، وقال : لا يتابع على حديثه وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخالف في روايته .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 408 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري