والقدرة على كفاية العباد ، ثمّ تمام العطف والعناية والرّحمة بجملة العباد بالآحاد ، وأنّه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه علم ، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة ، اتّكل لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ، ولا إلى نفسه وحوله وقوّته ، فإنّه لا حول ولا قوّة إلا باللَّه كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقدرة فإنّ الحول عبارة عن الحركة ، والقوّة عبارة عن القدرة ، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين : إمّا ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة ، وإمّا ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه ، فإنّ القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له من غير نقصان في اليقين فإن من يتناول عسلا يشبه بين يديه بالعذرة ربّما نفر طبعه وتعذّر تناوله عليه ، ولو كلَّف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه وإن كان متيقّنا لكونه ميّتا وأنّه جماد في الحال وأنّ سنّة اللَّه مطَّردة بأنّه لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه كما أنّها مطَّردة بأن لا يقلب القلم الَّذي في يده حيّة ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ومع أنّه لا يشكّ في هذا اليقين ، فينفر طبعه عن مضاجعة الميّت في فراش أو المبيت معه في بيت ، ولا ينفر عن سائر الجمادات وذلك جبن في القلب وهو نوع ضعف قلَّما يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قلّ فقد يقوى فيصير مرضا حتّى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه فإذن لا يتمّ التوكَّل إلا بقوّة القلب وقوّة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته ، فالسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر ، فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال : تعالى لإبراهيم « أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي » ( 1 ) فالتمس أن يشاهد إحياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله فإنّ النفس تتبع الخيال وتطمئنّ به ولا تطمئنّ باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنّة ، وذلك لا يكون في البداية أصلا وكم من مطمئنّ لا يقين له كسائر أرباب الملل والمذاهب ، فإنّ اليهوديّ مطمئنّ القلب إلى تهوّده ، وكذا النصرانيّ ولا يقين لهما أصلا « وإنّما يتّبعون الظنّ وما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 407
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٠٧
هامش
( 1 ) البقرة : 260 .