بها يشاهد عالم الملكوت فإن وجدوها صحيحة في الأصل وقد نزل فيها ماء أسود يقبل التنقية اشتغلوا بتنقيته اشتغال الكحّال بالأبصار الظاهرة ، فإذا استوى بصره أرشد إلى الطريق ليسلكه كما فعل ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بخواصّ أصحابه ، وإن كان غير قابل للعلاج فلم يمكنه أن يسلك السبيل الَّذي ذكرناه في التوحيد ، ولم يمكنه أن يسمع كلام ذرّات الملك والملكوت بمشاهدة التوحيد كلَّموه بحرف وصوت وردّوا ذروة التوحيد إلى حضيض فهمه فإنّ في عالم الشهادة أيضا توحيدا إذ يعلم كلّ أحد أنّ المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأمرين فيقال له على حدّ عقله : إله العالم واحد والمدبّر واحد إذ « لو كان فيهما آلهة إلا اللَّه لفسدتا » فيكون ذلك على ذوق ما رآه في عالم الشهادة فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه بهذا الطريق اللائق بقدر عقله وقد كلَّف اللَّه الأنبياء أن يكلَّموا الناس على قدر عقولهم [ 1 ] ولذلك نزل القرآن بلسان العرب وعلى حدّ عادتهم في المحاورة .
فإن قلت : فمثل هذا التوحيد الاعتقادي هل يصلح أن يكون عمادا للتوكَّل وأصلا فيه ؟ فأقول : نعم فإنّ الاعتقاد إذا قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال إلا أنّه في الغالب يضعف ويتسارع إليه الاضطراب والتزلزل غالبا ولذلك يحتاج صاحبه إلى متكلَّم يحرسه بكلامه أو إلى من يتعلَّم هذا الكلام منه ليحرس به العقيدة الَّتي تلقّنها من أستاده أو من أبويه أو من أهل بلده وأمّا الَّذي يشاهد الطريق وسلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيئا من ذلك بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا كما أنّ الَّذي يرى إنسانا في وقت الاسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنّه إنسان ولكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته وما مثال المكاشفين والمعتقدين إلا كسحرة فرعون مع أصحاب السامريّ فإنّ سحرة فرعون لمّا أن كانوا مطَّلعين على منتهى تأثير السحر لطول
هامش
[ 1 ] روى الكليني في الكافي ج 1 ص 23 والبرقي في المحاسن وغير واحد من أرباب السنن من الجمهور عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله أنه قال : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم » .