مشاهدتهم وتجربتهم فرأوا من موسى عليه السّلام ما جاوز حدود السحر انكشفت لهم حقيقة الأمور فلم يكترثوا بقول فرعون « فلأقطَّعنّ أيديكم وأرجلكم » بل « قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والَّذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة الدّنيا إنّا آمنّا بربّنا ليغفر لنا خطايانا » ( 1 ) فإنّ البيان والكشف يمنع التغيير وأمّا أصحاب السامريّ لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان فلمّا نظروا إلى عجل السامري وسمعوا خواره تغيّروا وسمعوا قوله « هذا إلهكم وإله موسى فنسي » ( 2 ) أنّه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرّا ولا نفعا فكلّ من آمن بالنظر إلى ثعبان فيكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل لأنّ كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضادّ في عالم الشهادة كثير ، وأمّا عالم الملكوت فهو من عند اللَّه تعالى فلذلك لا تجد فيه اختلافا وتناقضا أصلا . فإن قلت : ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أنّ الوسائط والأسباب مسخّرات وكلّ ذلك ظاهر إلا في حركات الإنسان فإنّه يتحرّك إن شاء ويسكن إن شاء فكيف يكون مسخّرا ؟ فاعلم أنّه لو كان مع هذا يشاء إن شاء ولا يشاء إن لم يشأ لكان هذا مزلَّة القدم وموقع الغلط ولكن علمت أنّه يفعل ما يشاء إذا شاء أن يشاء أم لم يشأ فليست المشيّة إليه ، إذ لو كانت إليه لا فتقرت إلى مشيّة أخرى ويتسلسل إلى غير نهاية ، وإذا لم تكن المشيّة إليه ووجدت المشيّة الَّتي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة والقدرة متحرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة والمشيّة تحدث ضرورة في القلب فهذه ضرورات مرتّبة بعضها على بعض ، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ولا وجود الحركة بعد بعث المشيّة للقدرة فهو مضطرّ في الجميع فإن قلت : فهذا جبر محض والجبر يناقض الاختيار وأنت لا تنكر الاختيار فكيف يكون مجبورا مختارا ؟
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 396
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٩٦
هامش
( 1 ) طه : 71 و 73 .
( 2 ) طه : 88 .