تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الإرادة بالعلم والقدرة بالإرادة وتحصل حركة الأجفان بالدّفع وحركة اليد بدفع السيف وذلك من غير رويّة وفكرة ويكون ذلك بالإرادة ، ومن الأشياء ما يتوقّف التمييز والعقل فيه فلا يدرى أنّه موافق أم لا فيحتاج إلى رويّة وفكر حتّى يتبيّن أنّ الخير في الفعل أو الترك فإذا حصل بالفكر والرويّة العلم بأنّ أحدهما خير التحق ذلك بالَّذي يقطع به من غير رويّة وفكر وانبعث الإرادة ههنا كما تنبعث لدفع السيف والإبرة ، فإذا انبعثت لفعل ما ظهر للعقل أنّه خير سمّيت هذه الإرادة اختيارا مشتقا من الخير أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل أنّه خير وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلا ما انتظرت في انبعاث تلك الإرادة وهو ظهور خيريّة الفعل في حقّه إلا أنّ الخيريّة في دفع السيف ظهرت من غير رويّة بل على البديهة وهذا أفتقر إلى الرويّة فالاختيار عبارة عن إرادة خاصّة وهي الَّتي انبعثت بإشارة العقل فيما له في إدراكه توقّف ، وعن هذا قيل : العقل يحتاج إليه للتمييز بين خير الخيرين وشرّ الشرّين ولا يتصوّر أن تنبعث الإرادة إلا بحكم الحسّ والخيال أو بحكم جزم من العقل ، ولذلك لو أراد الإنسان أن يجزّ رقبة نفسه لم يمكنه ذلك لا لعدم القدرة في اليد ولا لعدم السكَّين ولكن لفقد الإرادة الدّاعية المشخّصة للقدرة ، وإنّما فقدت الإرادة لأنّها تنبعث بحكم العقل أو الحسّ بكون الفعل موافقا وقتله نفسه ليس موافقا له فلا يمكنه مع قوّة الأعضاء أن يقتل نفسه إلا إذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق فإنّ العقل ههنا يتوقّف في الحكم ويتردّد لأنّه يتردّد بين شرّ الشرّين فإن ترجّح له بعد الرّويّة أنّ ترك القتل أقلّ شرّا لم يمكنه قتل نفسه وإن حكم بأنّ القتل أقلّ شرّا وكان حكمه جزما لا ميل فيه ولا صارف منه انبعثت الإرادة والقدرة وأهلك نفسه كالَّذي يتبع بالسيف ليقتل فإنّه يرمي بنفسه من السطح وإن كان مهلكا ولا يبالي ولا يمكنه أن يرمي نفسه وإن كان يتبع بضرب خفيف ، فإذا انتهى إلى طرف السطح حكم الفعل بأنّ الضرب أهون من الرّمي فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمي نفسه ولا تنبعث داعية البتّة لأنّ داعية الإرادة مسخّرة لحكم العقل ، والحسّ والقدرة مسخّرة للدّاعية ، والحركة مسخّرة للقدرة ، والكلّ مقدّر بالضرورة فيه