فأقول لو انكشف لك الغطاء لعرفت أنّه في عين الاختيار مجبور فهو إذن مجبور على الاختيار وكيف يفهم هذا من لم يفهم الاختيار فلنشرح الاختيار بلسان المتكلَّمين شرحا وجيزا يليق بما نذكر متطفّلا وتابعا فإن هذا الكتاب لم يقصد به إلا علم المعاملة ولكنّي أقول : لفظ الفعل في الإنسان يطلق على ثلاثة أوجه إذ يقال الإنسان يكتب بالأصبع ويتنفّس بالرّية والحنجرة ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء والتنفّس والكتابة وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد ولكنّها تختلف وراء ذلك في أمور فأعرب لك عنها بثلاث عبارات فنسمّي خرقه للماء عند وقوعه على وجهه فعلا طبيعيّا ، ونسمّي تنفسه فعلا إراديّا ، ونسمّي كتابته فعلا اختيارا والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنّه مهما وقف على وجه الماء أو تخطَّى من السطح في الهواء انخرق لا محالة فيكون الخرق بعد التخطَّي ضروريّا والتنفّس في معناه فإنّ نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفّس كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده وليس الثقل إليه فكذلك مهما وجدت إرادة التنفّس وجدت بعدها حركة الحنجرة بالضرورة فكذلك الإرادة ليست إليه ولذلك لو قصد عين إنسان بإبرة طبّق الأجفان اضطرارا ولو أراد أن يتركها مفتوحة لا يقدر مع أنّ تغميض الأجفان اضطرارا فعل إراديّ ولكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالادراك حدثت الإرادة بالتغميض ضرورة وحدثت الحركة بها ولو أراد أن يترك التغميض لم يقدر عليه مع أنّه فعل بالقدرة والإرادة فقد التحق بالفعل الطبيعي في كونه ضروريّا ، وأمّا الثالث وهو الاختياريّ فهو مظنّة الالتباس كالكتابة والنطق وهو الَّذي يقال فيه : إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل وتارة يشاء وتارة لا يشاء فيظنّ من هذا أنّ الأمر إليه وهو الجهل بمعنى الاختيار فلنكشف عنه ، وبيانه أنّ الإرادة تبع للعلم الَّذي يحكم بأنّ الشيء موافق لك والأشياء تنقسم إلى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تحيّر وتردّد وإلى ما قد يتردّد العقل فيه ، فالَّذي تقطع به من غير تردّد أن تقصد عينك مثلا بإبرة أو بدنك بسيف فلا يكون في علمك تردّد في أن دفع ذلك خير لك وموافق فلا جرم تنبعث
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 397
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٩٧