تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
السالك من عنده إلى اليمين حتّى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب القلم ولا يجوز وصف شيء من ذلك ولا شرحه بل لا تحوي مجلَّدات كثيرة عشر عشير وصفه والجملة فيه أنّه يمين لا كالأيمان ، ويد لا كالأيدي ، وأصبع لا كالأصابع ، فرأى القلم محرّكا في قبضته فظهر له عذر القلم فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم ، فقال جوابي مثل ما سمعته من اليمين الَّتي رأيتها في عالم الشهادة وهي الحوالة على القدرة إذ اليد حكم لها في نفسها وإنّما محرّكها القدرة لا محالة فسافر السالك إلى عالم القدرة ورأى فيها من العجائب ما استحقر عندها ما قبلها وسألها عن تحريك اليمين فقال : إنّما أنا صفة فسل القادر إذ العهدة على الموصوفات لا على الصفات وعند هذا كاد يزيغ قلبه وينطق بالجرأة لسان السؤال فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة « لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون » فغشيته دهشة الحضرة فخرّ صعقا يضطرب في غشيته مدّة فلمّا أفاق قال : سبحانك ما أعظم شأنك وأعزّ سلطانك تبت إليك وتوكَّلت عليك وآمنت بأنك الملك الجبّار الواحد القهّار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ، ومالي إلا أن أسالك وأتّضرّع إليك وأبتهل بين يديك فأقول : اشرح صدري لأعرفك ، واحلل عقدة من لساني لاثني عليك فنودي من وراء الحجاب إيّاك أن تطمع في الثناء وتزيد على سيّد الأنبياء بل ارجع إليه فما آتاك فخذه وما نهاك عنه فانته ، وما قاله فقله فإنّه ما زاد في هذه الحضرة على أن قال : « سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » [ 1 ] فقال : إلهي إن لم يكن للَّسان جرأة على الثناء عليك فهل للقلب مطمع في معرفتك ؟ فنودي إيّاك أن تتخطَّى رقاب الصدّيقين أما سمعتهم يقولون : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف أنّك محروم عن حضرتنا ، عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا ، فعند هذا رجع السائل السالك واعتذر عن أسولته ومعاتبته وقال لليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعده : أقبلوا
هامش
[ 1 ] كان من دعائه صلَّى اللَّه عليه وآله « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وقد تقدم غير مرة من الترمذي وابن ماجة وغيره .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 393 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري