العوام وقد يخصّ المتكلَّم باسم الموحّد من حيث إنّه يحمي بكلامه مفهوم لفظ التوحيد على قلوب العوام حتّى لا تنحل عقدته ، والثالث موحّد بمعنى أنّه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا إذا انكشف له الحقّ كما هو عليه لا أنّه كلَّف قلبه أن يعقد على مفهوم اللَّفظ فإنّ تلك رتبة العوام والمتكلَّمين ، إذ لم يفارق المتكلَّم العاميّ في الاعتقاد بل في صنعة تلفيق الكلام الَّذي به يدفع حيل المبتدع في تحليل هذه العقدة ، والرّابع موحّد بمعنى أنّه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكلّ من حيث إنّه كثير بل من حيث إنّه واحد ، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد ، فالأوّل كالقشرة العليا من الجوز ، والثاني كالقشرة السفلى ، والثالث كاللَّبّ ، والرّابع كالدّهن المستخرج من اللَّبّ ، وكما أنّ القشرة العليا لا خير فيها بل إن اكلت فهي مرّ المذاق وإن نظر إلى باطنها فهو كريه المنظر وإن اتّخذت حطبا أطفأت النار وأكثر الدّخان وإن تركت في البيت ضيّقت المكان فلا تصلح إلا أن تترك مدّة على الجوز للصون ، ثمّ ترمى فكذلك التوحيد بمجرّد اللَّسان عديم الجدوى كثير الضرر ، مذموم الظاهر والباطن ، لكنّه ينفع مدّة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت ، والقشرة السفلى هي القلب والبدن ، وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة فإنّهم لم يأمروا بشقّ القلوب والسيف إنّما يصيب جسم البدن وهو القشر وإنّما يتجرّد عنه بالموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده وكما أنّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنّها تصون اللَّبّ وتحرسه عن الفساد عند الادّخار وإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنّه نازلة القدر بالإضافة إلى اللَّبّ فكذلك مجرّد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرّد نطق اللَّسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة الَّتي تحصل بانشراح الصدر وانفساحه بإشراق نور الحقّ فيه إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى : « فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام » ( 1 ) وبقوله تعالى : « أفمن شرح اللَّه صدره للإسلام فهو على نور من ربّه » ( 2 ) وكما أنّ اللَّبّ نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكلَّه المقصود ولكنّه لا يخلو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 383
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٨٣
هامش
( 1 ) الانعام : 125 .
( 2 ) الزمر : 22 .