تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدّهن المستخرج منه فكذلك توحيد الفعل مقصد عال للسالكين ، لكنّه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من يشاهد سوى الواحد الحقّ . فإن قلت : كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا . فاعلم أنّ هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سرّ الرّبوبيّة كفر ، ثمّ هو غير متعلَّق بعلم المعاملة نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن وهو أن يكون الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار ، وهذا كما أنّ الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول : إنّه إنسان واحد ، فهو بالإضافة إلى الإنسانيّة واحد وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده والفرق بينهما فهو في حال الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه تفريق فكأنّه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة ، فكذلك كلّ ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ، وهو باعتبار واحد من حيث الاعتبارات واحد ، وباعتبارات أخر سواه كثير بعضها أشدّ كثرة من بعض ، ومثاله الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكنّه ينبّه بالجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحدا وتستفيد بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنّك مؤمن بهذا التوحيد نصيب وإن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنّك إذا آمنت بالنبوّة وإن لم تكن نبيّا كان لك نصيب منه بقدر قوّة إيمانك وهذه المشاهدات الَّتي لا يظهر فيها إلا الواحد الحقّ تارة تدوم تارة تطرأ كالبرق الخاطف وهو الأكثر والدّوام نادر عزيز وهذه مقامات الموحّدين في التوحيد على سبيل الإجمال . فإن قلت : فلا بدّ لهذا من شرح بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكَّل عليه .