تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
« وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير » فمن قال : « لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير » فقد تمّ له الإيمان الَّذي هو أصل التوكَّل أعني أن يصير معنى هذا القول وصفا لازما لقلبه غالبا عليه . فأمّا التوحيد فهو الأصل والقول فيه طويل وهو من علم المكاشفة ولكن بعض علوم المكاشفة يتعلَّق بالأعمال بواسطة الأحوال ولا يتمّ علم المعاملة إلا بها ، فإذن لا نتعرّض إلا للقدر الَّذي يتعلَّق بالمعاملة وإلا فالتّوحيد هو البحر الخضم الَّذي لا ساحل له . فنقول : للتوحيد أربع مراتب وهو منقسم إلى لبّ ولبّ اللَّبّ ، وإلى قشر وقشر القشر ، ولنمثّل ذلك تقريبا إلى الأفهام الضعيفة بالجوز في قشرته العليا فإنّ له قشرتين وله لبّ وللَّبّ دهن هو لبّ اللَّبّ . فالرّتبة الأولى من التوحيد هي أن يقول الإنسان باللَّسان « لا إله إلا اللَّه » وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافقين ، والثانية أن يصدّق بمعنى اللَّفظ قلبه كما صدّق به عموم المسلمين وهو اعتقاد ، والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحقّ وهو مقام المقرّبين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهّار ، والرابعة أن لا يرى إلا واحدا وهي مشاهدة الصدّيقين ويسميّه أهل المعرفة الفناء في التّوحيد لأنّه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالتوحيد كان فانيا عن نفسه في توحيده بمعنى أنّه فنى عن رؤية نفسه والخلق . فالأوّل موحّد بمجرّد اللَّسان ويعصم ذلك صاحبه في الدّنيا عن السيف والسنان ، والثاني موحّد بمعنى أنّه معتقد بقلبه مفهوم لفظه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفتاح ولكنّه يحفظ صاحبه عن العذاب في الآخرة إن توفّي عليها ولم تضعف بالمعاصي عقدته ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله يسمّى بدعة وله حيل يقصد بها رفع حيلة التحليل والتضعيف ويقصد بها أيضا إحكام هذه العقدة وشدّها على القلب وتسمّى كلاما والعارف بها يسمّى متكلَّما وهو في مقابلة المبتدع ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 382 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري