أخذ لتجزّ رقبته فكتب الملك توقيعا بالعفو عنه وتخليته فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغذ والقلم الَّذي به كتب التوقيع ويقول : لولا القلم لما تخلَّصت فيرى نجاته من القلم لا من محرّك القلم وهو غاية الجهل ، ومن علم أنّ القلم لا حكم له في نفسه وإنّما هو مسخّر في يد الكاتب لم يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب ، بل ربّما يدهشه فرح النجاة وشكر الملك والكاتب عن أن يخطر بباله القلم والحبر والدّواة والشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض ، وكلّ حيوان وجماد مسخّر في قبضة القدرة كتسخير القلم في يد الكاتب بل هذا تمثيل في حقّك لاعتقادك أنّ الملك الموقّع هو كاتب التوقيع والحقّ أنّ اللَّه هو الكاتب كما قال تعالى : « وما رميت إذ رميت ولكنّ اللَّه رمى » ( 1 ) فإذا انكشف لك أنّ جميع ما في السماوات والأرض مسخّرات على هذا الوجه انصرف عنك الشيطان خائبا وآيس عن مزج توحيدك بهذا الشرك فيأتيك في المهلكة الثانية وهي الالتفات إلى اختيار الحيوانات في الأفعال الاختياريّة ويقول : كيف ترى الكلّ من اللَّه وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فإن شاء أعطاك وإن شاء قطع عنك وهذا الشخص هو الَّذي يجزّ رقبتك بسيفه وهو قادر عليك فإن شاء جزّ رقبتك وإن شاء عفا عنك فكيف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده وأنت تشاهد ذلك ولا تشكّ فيه ويقول لك أيضا : نعم إن كنت لا ترى القلم لأنّه مسخّر فكيف لا ترى الكاتب بالقلم وهو مسخّر له ، وعند هذا زلّ أقدام الأكثر من الناس إلا عباد اللَّه المخلصين الَّذين لا سلطان عليهم للشيطان فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخّرا مضطرّا كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخّرا ، وعرفوا أنّ غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا لو كانت تدبّ على الكاغذ فترى رأس القلم يسوّد الكاغذ ولم يمتد بصرها إلى اليد والأصابع فضلا من صاحب اليد ، وظنّت أنّ القلم هو المسوّد للبياض وذلك لقصور بصره عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها ، فكذلك من لم ينشرح بنور اللَّه صدره قصرت بصيرته عن ملاحظة جبّار السماوات والأرض ومشاهدة كونه قاهرا وراء الكلّ فوقف في الطريق على الكاتب وهو جهل محض بل أرباب القلوب والمشاهدات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 386
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٨٦
هامش
( 1 ) الأنفال : 17 .