تركا للتنعّم بلين الثياب واستراحة حسّ اللَّمس فسألته أمّه أن يلبس مكانها جبّة من صوف ففعل فأوحى اللَّه إليه يا يحيى آثرت عليّ الدّنيا فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان . وجلس عيسى عليه السّلام في ظلّ حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال : ما أقمتني أنت إنّما أقامني الَّذي لم يرض لي أن أتنعّم بظلّ الحائط ، فإذن درجات الزّهد ظاهرا وباطنا لا حصر لها وأقلّ درجاته الزّهد في كلّ شبهة ومحظور ، فإن قلت :
مهما كان الصحيح هو أنّ الزّهد ترك ما سوى اللَّه فكيف يتصوّر ذلك مع الأكل والشرب واللَّبس ومخالطة الناس ومكالمتهم ، فكلّ ذلك اشتغال بما سوى اللَّه ؟ فاعلم أنّ معنى الانصراف من الدّنيا إلى اللَّه الإقبال بكلّ القلب إليه ذكرا وفكرا ولا يتصوّر ذلك إلا مع البقاء ، ولا بقاء إلا بضرورات النفس فمهما اقتصرت من الدّنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير اللَّه فإنّ ما لا يتوصّل إلى الشيء إلا به فهو منه فالمشتغل بعلف الناقة في طريق الحجّ ليس معرضا عن الحجّ ولكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق اللَّه مثل ناقتك في طريق الحجّ ولا غرض لك في تنعّم ناقتك باللَّذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتّى تسير بك إلى مقصدك ، فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش المهلك بالأكل والشرب وعن الحرّ والبرد المهلك باللَّباس والمسكن فتقتصر على قدر الضرورة ولا تقصد التلذّذ بل التقوّي على طاعة اللَّه فذلك لا يناقض الزّهد بل هو شرط الزّهد .
* ( بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضرورات الحياة ) *
اعلم أنّ ما الناس منهكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهمّ فالفضول كالخيل المسوّمة مثلا إذ يقتنيها الإنسان ليركب وهو قادر على المشي والمهمّ كالأكل والشرب ولسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول فإنّ ذلك لا ينحصر وإنّما ينحصر المهمّ الضروري والمهمّ أيضا يتطرّق إليه فضول في مقداره وجنسه وأوقاته فلا بدّ من بيان وجه الزّهد فيه ، والمهمّات ستّة المطعم والملبس والمسكن وأثاثه والمنكح والمال والجاه يطلب لأغراض هذه الستّة من جملتها وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 364
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٤