بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين » وأمّا المخلصون فإنّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة فلمّا رأوا أنّهم تركوا تمتّع عشرين سنة أو ثلاثين بتمتّع الأبد استبشروا ببيعهم الَّذي بايعوا به ، وهذا بيان المزهود فيه ، وإذا فهمت هذا علمت أنّ ما ذكر المتكلَّمون في حدّ الزّهد لم يشيروا به إلا إلى بعض أقسامه فذكر كلّ واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه أو على من كان يخاطبه . أقول : ثمّ ذكر أبو حامد جملة من أقاويل الناس في الزّهد وبيّن قصورها واحدا واحدا . ثمّ قال : وفي الزّهد أقاويل وراء ما قلناه فلم نر في نقله فائدة ، فإنّ من طلب كشف حقايق الأمور من أقاويل الناس ورآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة وأمّا من انكشف له الحقّ في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا يتلقّف ممّن سمعه وثق بالحقّ واطَّلع عن قصور من قصر لقصور بصيرته وعلى اقتصار من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته ، وهؤلاء كلَّهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة ولكنّهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة والحاجات تختلف فلا جرم الكلمات تختلف وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الرّاهنة الَّتي هي مقام العبد في نفسه والأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف ، وأمّا الحقّ في نفسه فلا يكون إلا واحدا ولا يتصوّر أن يختلف . أقول : وفي الكافي عن السجّاد عليه السّلام « إنّ الزّهد في آية من كتاب اللَّه تعالى « لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم » ( 1 ) وقد مضى هذا في كلام أمير - المؤمنين عليه السّلام وهي الكلمة الجامعة في الزّهد ، وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « الزّهد في الدّنيا قصر الأمل وشكر كلّ نعمة والورع عن كلّ ما حرّم اللَّه عزّ وجلّ » ( 2 ) . وعن الصادق عليه السّلام « أنّه سئل عن الزّاهد في الدّنيا فقال : الَّذي يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عقابه » ( 3 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 362
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٢
هامش
( 1 ) المصدر ج 2 ص 128 تحت رقم 4 ، والآية في سورة الحديد : 33 .
( 2 ) المصدر ج 5 ص 71 تحت رقم 3 .
( 3 ) رواه الصدوق في العيون ص 173 .