وفي مصباح الشريعة ( 1 ) عنه عليه السّلام قال : « الزّهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار وهو تركك كلّ شيء يشغلك عن اللَّه من غير تأسّف على فوتها ولا إعجاب في تركها ولا انتظار فرج منها وطلب محمدة عليها ولا عوض لها بل ترى فوتها راحة وكونها آفة ، وتكون أبدا هاربا من الآفة ، معتصما بالرّاحة ، والزّاهد الَّذي يختار الآخرة على الدّنيا والذّل على العزّ والجهد على الرّاحة والجوع على الشبع وعافية الآجل على محنة العاجل والذكر على الغفلة ويكون نفسه في الدّنيا وقلبه في الآخرة قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة » ألا ترى كيف أحبّ ما أبغضه اللَّه وأيّ خطَّاء أشدّ جرما من هذا ؟ وقال بعض أهل البيت عليه السّلام : لو كانت الدّنيا بأجمعها لقمة في فم طفل لرجمناه فكيف حال من ينبذ حدود اللَّه خلف ظهره في طلبها والحرص عليها ، والدّنيا دار لو أحسنت إلى ساكنها لرحمتك وأحسنت وداعك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لما خلق اللَّه الدّنيا أمرها بطاعته فأطاعت ربّها فقال لها : خالفي من طلبك ووافقي من خالفك ، فهي على ما عهد إليها اللَّه وطبعها عليه . قال أبو حامد : فهذا بيان انقسام الزّهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأمّا بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ونفل وسلامة فالفرض هو الزّهد في الحرام والنفل هو الزّهد في الحلال والسلامة هو الزّهد في الشبهات وقد ذكرنا درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وذلك من الزّهد إذ قيل لبعض السلف : ما الزّهد ؟ فقال : التقوى ، وأمّا بالإضافة إلى خفايا ما يترك فلا نهاية للزّهد فيه إذ لا نهاية لما تتمتّع به النّفس في الخطرات واللَّحظات وسائر الحالات لا سيّما خفايا الرّياء فإنّ ذلك لا يطَّلع عليه إلا سماسرة العلماء بل الأموال الظاهرة أيضا درجات الزّهد فيها لا تتناهى فمن أقصى درجاتها زهد عيسى عليه السّلام إذ توسّد حجرا في نومه فقال له الشيطان : أما كنت تركت الدّنيا فما الَّذي بدا لك ؟ فقال : وما الَّذي تجدّد فقال : توسّدك الحجر أي تنعّمت برفع رأسك عن الأرض في النوم فرمى الحجر وقال : خذه فقد تركته لك . وروي عن يحيى بن زكريّا أنّه لبس المسوح حتّى نقب جلده
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 363
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٣
هامش
( 1 ) المصدر باب الحادي والثلاثون .