وإن لم يكن دواء نافعا ، ولكنّه يسير الضرر . والسمّ محظور شربه ، والدّواء فرض تناوله وما بينهما مشتبه أمره ، فمن احتاط فإنّما يحتاط لنفسه ومن تساهل فإنّما يتساهل على نفسه ومن استبرء لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وردّ نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة الناجية لا محالة والمقتصر على قدر الضرورة والمهمّ لا يجوز أن ينسب إلى الدّنيا بل ذلك القدر من الدّنيا هو عين الدّين لأنّه شرط الدّين والشرط من جملة المشروط ، فإذن قدر الحاجة من الدّين وما وراء ذلك وبال في الآخرة وهو في الدّنيا أيضا كذلك يعرفه من عاين أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذّلّ فيه ، وغاية سعادته فيه أن يسلَّم لورثته فيأكلونه وهم أعداؤه وربّما يستعينون به على المعصية فيكون هي معينا لهم عليها ولذلك شبّه جامع الدّنيا ومتّبع الشهوات بدود القزّ لا يزال ينسج على نفسه حيّا ثمّ يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الَّذي عمله بنفسه قال الشاعر :
ألم تر أنّ المرء طول حياته * معنّى بأمر لا يزال معالجه
كدود كدود القزّ ينسج دائما * ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه
فكذلك كلّ من اتّبع شهوات الدّنيا فإنّما يحكم على قلبه سلاسل تقيّده بما يشتهيه حتّى تتظاهر عليه السلاسل فيقيّده المال والجاه والأهل والولد وشماتة الأعداء ومراياة الأصدقاء وسائر حظوظ الدّنيا فلو خطر له أنّه قد أخطأ فيه وقصد الخروج من الدّنيا لم يقدر عليه ورأى قلبه مقيّدا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ولو ترك محبوبا من محابّه باختياره كاد أن يكون قاتلا لنفسه وساعيا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين جميعها دفعة واحدة فتبقى السلاسل في قلبه معلَّقة بالدّنيا الَّتي هي فاتته وخلفها فهي تجاذبه إلى الدّنيا ومخالب ملك الموت قد تعلَّقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون أهواله عند الموت أن يكون مثل شخص ينشر بالمناشير ويفصل أحد جانبيه عن الآخر بالمجاذبة من الجانبين والَّذي ينشر بالمنشار إنّما ينزل الألم ببدنه ويألمه من حيث يسرى أثره إلى قلبه فكيف الظنّ بألم يتمكَّن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 367
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٧