الخلق له وكيفيّة الاحتراز منه في كتاب الرّياء من ربع المهلكات ونحن الآن نقتصر على بيان هذه المهمّات الستّة .
أقول : ثمّ أخذ أبو حامد في بيان هذه المهمّات الستّة واحدا واحدا بكلام عليل وتفصيل طويل خرج به عن حدّ الاعتدال والاقتصار فيها إلى التضييق والتعسير والمبالغة في التقشّف وما ليس عند أهل الحقّ بمرضي وما لا يوجد في الناس عامل به وما ذمّه أهل البيت عليهم السّلام فيما روى عنهم أصحابنا رحمهم اللَّه واستند في ذلك إلى أقوال السلف وأفعالهم وهم بين من ليس قوله ولا فعله حجّة وبين من لفعله وقوله تأويل أو تخصيص بالزّمان أو العرف أو غير ذلك فلنعرض عن ذكر كلامه هذا صفحا إلا ما ذكره في المال والجاه وما ذكره بعد ذلك من علامات الزّهد ، ثمّ نذكر كلاما في هذا الباب عن الصادق عليه السّلام يكون ميزانا يعرف به كلّ خلل كان في كلام أبي حامد في أبواب الزّهد نختم به الكتاب إن شاء اللَّه .
قال : المهمّ السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه أمّا الجاه فمعناه ملك القلوب بطلب محلّ فيها ليتوصّل بها إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال وكلّ من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجاته وافتقر إلى أن يخدم افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه لأنّه إن لم يكن له عنده محلّ وقدر لم يقم بخدمته وقيام القدر والمحلّ في القلوب هو الجاه وهذا له أوّل مرتبة ولكن يتمادى به إلى هاوية لا عمق لها ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وإنّما يحتاج إلى المحلّ في القلوب إمّا لجلب نفع أو لدفع ضرّ ولخلاص من ظلم فأمّا النفع فيغني عنه المال فإنّ من يخدم بأجرة يخدم وإن لم يكن للمستأجر عنده قدر وإنّما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة ، وأمّا دفع الضرّ فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل العدل فيها ، أو يكون بين جيران يظلمونه فلا يقدر على دفع شرّهم إلا بمحلّ له في القلوب أو محلّ له عند السلطان ، وقدر الحاجة فيه لا ينضبط لا سيّما إذا انضمّ إليه الخوف وسوء الظنّ بالعواقب والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك بل حقّ الزّاهد أن لا يسعى لطلب المحلّ في القلوب أصلا فإنّ اشتغاله بالدّين والعبادة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 365
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٥