الدّينار وعرف الدّرهم وعلم أنّه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحبّ إلا الدّينار فمن عرف اللَّه وعرف لذّة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أنّ الجمع بين تلك اللَّذّة وبين لذّة التنعّم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن فلا يحبّ إلا لذّة النظر ولا يؤثر غيره ولا تظننّ أن أهل الجنّة عند النظر إلى وجه اللَّه تعالى يبقى للذّة الحور والقصور متّسع في قلوبهم ، بل تلك اللَّذّة بالإضافة إلى لذّة نعيم الجنّة كلذّة ملك الدّنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذّة الاستيلاء على عصفور واللَّعب به ، والطالبون لنعيم الجنّة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبيّ الطالب للَّعب بالعصفور التارك للذّة الملك ، وذلك لقصوره عن إدراك لذّة الملك لا لأنّ اللَّعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذّ من الاستيلاء بطريق الملك على كافّة الخلق .
وأمّا انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل ولعلّ المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقل الأقاويل ، ولكن نشير إلى كلام محيط بالتفاصيل حتّى يتّضح أنّ أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكلّ ، فنقول :
المرغوب عنه بالزّهد له إجمال وتفصيل ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام وبعضها أجمع للجمل أمّا الإجمال في الدّرجة الأولى فهو كلّ ما سوى اللَّه ، فينبغي أن يزهد فيه حتّى يزهد في نفسه أيضا ، والإجمال في الدّرجة الثانية أن يزهد في كلّ صفة للنفس فيها متعة ، وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرّئاسة والمال والجاه وغيرها ، والإجمال في الدّرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع حظوظ النفس ، وفي الدّرجة الرّابعة أن يزهد في العلم والقدرة والدّينار والدّرهم والجاه ، إذ الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدّينار والدّرهم ، والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة وأعني به كلّ علم وقدرة مقصودها ملك القلوب إذ معنى الجاه ملك القلوب والقدرة عليها كما أنّ معنى المال ملك الأعيان والقدرة عليها ، فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا فيكاد يخرج ما فيه الزّهد عن الحصر ، وقد ذكر اللَّه تعالى في آية
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 360
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٠