ولكن يجاهدها ويكفّها وهذا يسمّى المتزهّد وهو مبدء الزّهد في حقّ من يصل إلى درجة الزّهد بالكسب والاجتهاد والمتزهّد يذيب أوّلا نفسه ثمّ كيسه والزّاهد يذيب أوّلا كيسه ثمّ يذيب نفسه في الطاعات لا في الصبر على ما فارقه والمتزهّد على خطر فإنّه ربّما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدّنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير ، الدّرجة الثانية أن يترك الدّنيا طوعا لاستحقاره إيّاها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالَّذي يترك درهما لأجل درهمين فإنّه لا يشقّ عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ولكن هذا الزّاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ويظنّ بنفسه أنّه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان ، الدّرجة الثالثة وهي العليا أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده إذ لا يرى أنّه ترك شيئا إذ عرف أنّ الدّنيا لا شيء فيكون كمن ترك خنفساءة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا ، والدّنيا بالإضافة إلى اللَّه ونعيم الآخرة أخسّ من خنفساءة إلى جوهرة فهذا هو الكمال في الزّهد وسببه كمال المعرفة ، ومثل هذا الزّاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدّنيا ، كما أنّ تارك الخنفساءة بالجوهرة آمن من طلب الإقالة في البيع .
قال أبو يزيد لأبي موسى عبد الرّحيم : في أيّ شيء تتكلَّم ؟ قال : في الزّهد قال : في أيّ شيء ؟ قال : في الدّنيا فنفض يده ، وقال : ظننت أنّك تتكلَّم في شيء ، الدّنيا لا شيء أيش تزهد فيها ، ومثل من ترك الدّنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه عن باب الملك كلب على بابه فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتّى نفذ أمره في جميع مملكته أفترى أنّه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما يناله ، فالشيطان كلب على باب اللَّه يمنع الناس من الدّخول مع أنّ الباب مفتوح والحجاب مرفوع والدّنيا كلقمة خبز إن أكلها فلذّتها في حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع ، ثمّ يبقى ثفله في المعدة ، ثمّ ينتهي إلى النتن والقذر ويحتاج إلى إخراج الثفل فمن يتركها لينال عزّ الملك كيف يلتفت إليها ، أو نسبة الدّنيا كلَّها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 358
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥٨