بأس أن تثق بها وثوقا مّا ولكن تكون من تغيّرها أيضا على حذر فإنّها سريعة النقض للعهد قريبة الرّجوع إلى مقتضى الطبع ، بالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما ترك فقطَّ ، وذلك عند القدرة ، ولذلك قال جميع المسلمين على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّا نحبّ ربّنا ولو علمنا في أيّ شيء محبّته لفعلنا حتّى نزل قوله تعالى : « ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم » ( 1 ) وقال ابن مسعود : وما عرفت أنّ فينا من يحبّ الدّنيا حتّى نزل قوله « منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة » ( 2 ) وليس من الزّهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والفتوّة وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع فذلك كلَّه من محاسن العادات ، ولكن لا مدخل لها في العبادات ، إنّما الزّهد أن تتركها لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأمّا كلّ نوع من الترك فإنّه يتصوّر ممّن لا يؤمن باللَّه وبالآخرة فذلك قد يكون مروّة وفتوّة وسخاء وحسن خلق ، ولكن لا يكون زهدا إذ حسن الذّكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة وهي ألذّ وأهنأ من المال وكما أنّ ترك المال على سبيل السلم طمعا في العوض ليس من الزّهد فكذلك تركه طمعا في الذّكر والثناء والاشتهار بالفتوّة والسخاء واستثقالا له لما في حفظ الأموال من المشقّة والعناء والحاجة إلى التذلَّل للسلاطين والأغنياء ليس من الزّهد أصلا بل هو استعجال حظَّ آخر للنفس بل الزّاهد من أتته الدّنيا راغمة عفوا صفوا وهو قادر على التنعّم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظَّ فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير اللَّه ومحبّا لما سوى اللَّه ويكون مشركا في حبّ اللَّه غير اللَّه أو تركها طمعا في ثواب الآخرة فترك التمتّع بأشربة الدّنيا طمعا في أشربة الجنّة ، وترك التمتّع بالسراري والنسوان طمعا في الحور العين ، وترك التفرّج في البساتين طمعا في بساتين الجنّة وأشجارها ، وترك التزيّن والتجمّل بزينة الدّنيا طمعا في زينة الجنّة ، وترك المطاعم اللَّذيذة طمعا في فواكه الجنّة وخوفا من أن يقال له
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 349
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٩
هامش
( 1 ) النساء : 66 .
( 2 ) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة باسناد حسن كما في المغني .