تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وجه أبيهم وكان ذلك عندهم أحبّ من يوسف فباعوه طمعا في العوض فإذن كلّ من باع الدّنيا بالآخرة فهو زاهد في الدّنيا وكلّ من باع الآخرة بالدّنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة ولكنّ العادة جارية بتخصيص اسم الزّهد بمن زهد في الدّنيا كما خصّص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصّة وإن كان هو الميل في وضع اللَّسان ولمّا كان الزّهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصوّر إلا بالعدول إلى شيء هو أحبّ منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحبّ محال والَّذي يرغب عن كلّ ما سوى اللَّه حتّى الفراديس ولا يحبّ إلا اللَّه فهو الزّاهد المطلق ، والَّذي يرغب عن كلّ حظَّ ينال في الدّنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور والقصور والفواكه والأنهار فهو أيضا زاهد ولكنّه دون الأوّل والَّذي يترك من حظوظ الدّنيا البعض دون البعض كالَّذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسّع في الأكل ولا يترك التجمّل في الزّينة فلا يستحقّ اسم الزّاهد مطلقا ودرجته في الزّهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين وهو زهد صحيح كما أنّ التوبة عن بعض المعاصي صحيحة فإنّ التوبة عبارة عن ترك المحظورات والزّهد عبارة عن ترك المباحات الَّتي هي حظَّ النفس ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمّى زاهدا وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه ولكن تخصّص هذا الاسم بترك المباحات فإذن الزّهد عبارة عن رغبته عن الدّنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير اللَّه عدولا إلى اللَّه وهي الدّرجة العليا وكما يشترط في المرغوب إليه أن يكون خيرا عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه فإنّ تركه ما لا يقدر عليه محال وبالترك يتبيّن زوال الرّغبة ، وأمّا العلم الَّذي هو المثمر لهذه الحال هو العلم بكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأنّ العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما لم يتحقّق هذا العلم لا يتصوّر أن يزول الرّغبة عن المبيع فكذلك من عرف أنّ ما عند اللَّه باق وأنّ الآخرة خير وأبقى أي لذّاتها خير في أنفسها كما يكون الجوهر خيرا وأبقى من الثلج مثلا ولا يعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلي فهكذا مثال الدّنيا والآخرة فالدّنيا كالثلج الموضوع