في الشمس لا يزال في الذّوبان إلى الانقراض والآخرة كالجواهر الَّتي لا فناء لها فبقدر قوّة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدّنيا والآخرة تقوي الرّغبة في البيع والمعاملة حتّى أنّ من قوي يقينه ببيع نفسه وماله كما قال اللَّه تعالى : « إنّ اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللَّه فيقتلون ويقتلون » ( 1 ) ثمّ بيّن أنّ صفقتهم رابحة فقال : « فاستبشروا ببيعكم الَّذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم » ( 2 ) فليس يحتاج من العلم في الزّهد إلا إلى هذا القدر وهو أنّ الآخرة خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدّنيا إمّا لضعف علمه ويقينه وإمّا لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان وإمّا لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما فيوما إلى أن يختطفه الموت ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت ، وإلى تعريف خساسة الدّنيا الإشارة بقوله تعالى : « قل متاع الدّنيا قليل » ( 3 ) وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله : « وقال الَّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقّيها إلا الصابرون » ( 4 ) فنبّه على أنّ العلم بنفاسة الجوهر هو المرغب عن عوضه ولمّا لم يتصوّر الزّهد إلا بمعاوضة ورغبة عن المحبوب في أحبّ منه ، قال رجل في دعائه : اللَّهمّ أرني الدّنيا كما تراها فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا تقل هكذا ولكن قل : أرني الدّنيا كما أريتها الصالحين من عبادك » [ 1 ] وهذا لأنّ اللَّه يراها حقيرة كما هي وكلّ مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقير والعبد يراها حقيرة في حقّ نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له ولا يتصوّر أن يرى بائع الفرس وإن رغب عن فرسه كما يرى بائع حشرات الأرض لأنّه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس واللَّه تعالى غنيّ بذاته عن كلّ ما سواه فيرى الكلّ في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ويراها متفاوتة بالإضافة إلى غيره والزّاهد هو الَّذي يرى تفاوته بالإضافة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 347
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٧
هامش
( 1 ) التوبة : 113 .
( 2 ) التوبة : 113 .
( 3 ) النساء : 77 .
( 4 ) القصص : 80 .
[ 1 ] قال العراقي : ذكره صاحب الفردوس مختصرا « اللهم أرني الدنيا كما تريها الصالح من عبادك » من حديث أبي القصير ولم يخرجه ولده .