« أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا » فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنّة على ما تيسّر له في الدّنيا عفوا صفوا لعلمه بأنّ ما في الآخرة خير وأبقى وما سوى هذا فمعاملات دنيويّة لا جدوى لها في الآخرة أصلا . أقول : الكلام الجامع في حقيقة الزّهد ما رواه في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « الزّهد كلَّه بين كلمتين من القرآن قال اللَّه سبحانه : « لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم » ( 1 ) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزّهد بطرفيه » ( 2 ) . * ( بيان فضيلة الزّهد ) * قال اللَّه تعالى : « فخرج على قومه في زينته - إلى قوله - وقال الَّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب اللَّه خير » ( 3 ) نسب الزّهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء ، وقال تعالى : « أولئك يؤتون أجرهم مرّتين بما صبروا » ( 4 ) وجاء في التفسير على الزّهد في الدّنيا . وقال تعالى : « إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملا » ( 5 ) قيل : معناه أيّهم أزهد فيها فوصف الزّهد بأنّه من أحسن الأعمال . وقال تعالى : « من كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب » ( 6 ) . وقال تعالى : « ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خير وأبقى » ( 7 ) . وقال تعالى : « الَّذين يستحبّون الحياة الدّنيا على الآخرة » ( 8 ) فبه وصف الكفّار فمفهومه أنّ المؤمن هو الَّذي يتّصف بضدّه وهو أن يستحبّ الآخرة على الحياة الدّنيا . وأمّا الأخبار فما ورد منها في ذمّ الدّنيا كثير وقد أوردنا بعضها في كتاب ذمّ الدّنيا من ربع المهلكات إذ حبّ الدّنيا من المهلكات ، ونحن الآن نقتصر على فضيلة بغض
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 350
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥٠
هامش
( 1 ) الحديد : 23 .
( 2 ) المصدر أبواب الحكم تحت رقم 439 .
( 3 ) القصص : 80 .
( 4 ) القصص : 54 .
( 5 ) الكهف : 7 .
( 6 ) الشورى : 20 .
( 7 ) طه : 131 .
( 8 ) إبراهيم : 3 .