وأمّا الذّلّ فبأن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الَّذي يعلم أنّه لا ينقصه ذلك في عينه ولا يزدريه بسبب سؤاله أو الرّجل السخيّ الَّذي قد أعدّ ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله ويتقلَّد منّة بقبوله فيسقط عند الذّلّ بذلك فإنّ الذّلّ لازم للمنّة لا محالة . وأمّا الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعيّن شخصا بالسؤال بعينه بل يلقى الكلام تعريضا بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرّع بصدق الرّغبة وإن كان في القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنّه ربّما يبذل كرها خوفا من الملامة ويكون الأحبّ إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير ملامة ، وأمّا إذا كان يسأل شخصا معيّنا فينبغي أن لا يصرّح بل يعرّض تعريضا يبقى له سبيلا إلى التغافل إن أراد ، فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته وأنّه غير متأذّ به . أقول : ومن طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لا تسألوا أمّتي في مجالسها فتبخلوها » ( 1 ) . قال أبو حامد : وينبغي أن يسأل من لا يستحيي منه لو ردّه أو تغافل مع القدرة عليه فإنّ الحياء من السّائل يؤذي كما أنّ الرّياء مع غير السّائل يؤذي ، فإن قلت : فإذا أخذ مع العلم بأنّ باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما ابتدأه فهو حلال أو شبهة ؟ فأقول : ذلك حرام محض لا خلاف فيه بين الأمّة وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة إذ لا فرق أن يضرب ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام وضرب الباطن أشدّ نكاية في قلوب العقلاء ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « نحن نحكم بالظاهر واللَّه يتولَّى السرائر » ( 2 ) فإنّ هذه ضرورة القضاء في فصل الخصومات إذ لا يمكن ردّهم إلى البواطن وقرائن الحالات فاضطرّوا إلى الحكم بظاهر اللَّسان مع أنّه ترجمان كثير الكذب ولكنّ الضرورة دعت إليه وهذه سؤال عمّا بين العبد وبين اللَّه والحاكم فيه أحكم الحاكمين والقلوب عنده كالألسنة عند سائر الحكَّام فلا تنظر في مثل هذا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 340
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٠
هامش
( 1 ) المصدر ج 4 ص 47 تحت رقم 8 .
( 2 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا وكذا قال المزي لما سئل عنه .