تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧

أنّ العبد المملوك لو سأل كان سؤاله تشنيعا على سيّده ، فكذا سؤال العباد تشنيع على اللَّه تعالى وهذا ينبغي أن يحرّم ولا يحلّ إلا بضرورة كما يحلّ الميتة ، والثاني أنّ فيه إذلال السائل نفسه لغير اللَّه وليس للمؤمن أن يذلّ نفسه لغير اللَّه بل عليه أن يذلّ نفسه لمولاه فإنّ فيه عزّه فأمّا سائر الخلق فإنّهم عباد أمثاله ، فلا ينبغي أن يذلّ لهم إلا بضرورة ، وفي السؤال ذلّ للسائل بالإضافة إلى المسؤول ، والثالث أنّه لا ينفكّ عن إيذاء المسؤول غالبا لأنّه ربّما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيبة قلب منه فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ وإن منع ربما استحيي وتأذّى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ففي البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام إلا بضرورة ، ومهما فهمت هذه المحذورات فهمت قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال : « مسئلة الناس من الفواحش وما أحلّ من الفواحش غيرها » ( 1 ) فانظر كيف سمّاه فاحشة ولا يخفى أنّ الفاحشة إنّما تباح بضرورة . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من سأل عن ظهر غنى فإنّما يستكثر من جمر جهنم » [ 1 ] « ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وعظم وجهه يتقعقع ليس عليه لحم » ( 2 ) وفي لفظ آخر « كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه » ( 3 ) وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد . وبايع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع والطاعة ثمّ قال لهم كلمة خفيفة : « ولا تسألوا الناس شيئا » ( 4 ) وكان يأمر كثيرا بالتعفّف

هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
( 2 ) روى نحوه ابن إدريس في مستطرفات السرائر . وفي مجمع الزوائد عن الطبراني في الأوسط مثله .
( 3 ) رواه أصحاب السنن وقد تقدم في كتاب الزكاة .
( 4 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 97 من حديث عوف بن مالك الأشجعي . وأخرجه أبو داود السجستاني ج 1 ص 382 .
[ 1 ] أخرجه أبو داود ج 1 ص 378 ورواه عبد اللَّه بن أحمد ، والطبراني في الأوسط بلفظ « رضف جهنم » وهو بمعنى جمر جهنم وفي اسناده ضعف كما في مجمع الزوائد ج 3 ص 94 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 337 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري