السؤال أن تعلم أنّ المسؤول بصفة لو علم ما بك من الحاجة لابتدأك دون السؤال فلا يكون لسؤالك تأثير إلا في تعريف حاجتك فأمّا في تحريكه بحياء أو إثارة داعيته بالحيل فلا ويتصدّى للسائل حالة لا يشكّ معها في رضا الباطن وحالة لا يشكّ في الكراهة ويعلم ذلك بقرينة الأحوال فالأخذ في الحالة الأولى حلال طلق وفي الثانية حرام سحت ، ويتردّد بين الحالتين أحوال يشكّ فيها فليستفت قلبه فيها وليترك حزاز القلب فإنّه الإثم وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهوته فإن قوي الحرص وضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه ولا يتفطَّن للقرائن الدّالَّة على الكراهة وبهذه الدّقائق يطلع على سرّ قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال : « إنّ أطيب ما يأكل الرّجل من كسبه » ( 1 ) وقد أوتي جوامع الكلم لأنّ من لا كسب له ولا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد أقربائه فيأكل من أيدي النّاس فإن أعطى بغير سؤال فإنّما يعطى لدينه ومن يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطى لدينه فيكون ما يأخذه حراما ، وإن أعطى بسؤال فأين من يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل وأين من يقتصر في السؤال على حدّ الضرورة ، فإذا فتّشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت ، وإنّ الطيّب هو الكسب الَّذي اكتسب هو أو موروثه ، فإذن بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس ، فنسأل اللَّه تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره وأن يغنينا بحلاله عن حرامه بمنّه وسعة جوده . * ( بيان مقدار الغنى المحرّم للسؤال ) * اعلم أنّ قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من سأل عن ظهر غنى فإنّما يستكثر من جمر جهنّم » ( 2 ) صريح في التحريم ولكن حدّ الغنى مشكل وتقديره عسير وليس إلينا وضع المقادير بل نستدرك ذلك بالتوقيف ، وقد ورد في الحديث « استغنوا بغنى اللَّه تعالى عن غيره قالوا : وما هو ؟ قال : غداء يوم ، وعشاء ليلة » ( 3 ) . وفي حديث آخر « من سأل وله خمسون درهما أو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 342
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤٢
هامش
( 1 ) تقدم في كتاب الحلال والحرام .
( 2 ) تقدم آنفا .
( 3 ) ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي هريرة كما في المغني .