تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
إلا إلى قلبك وإن أفتوك وأفتوك فإنّ المفتي معلَّم القاضي والسلطان ليحكموا في عالم الشهادة ، ومفتي القلوب هم علماء الآخرة وبفتواهم النجاة من سطوة سلطان الآخرة كما أنّ بفتوى الفقيه النجاة من سطوة سلطان الدّنيا ، فإذن ما يأخذه مع الكراهة لا يملكه بينه وبين اللَّه ويجب عليه الردّ على صاحبه فإن كان يستحيي من أن يردّ ولم يستردّ فعليه أن يثيبه على ذلك بما يساوي قيمته في معرض الهديّة والمقابلة ليتفصّى عن عهدته ، فإن لم يقبل هديّته فعليه أن يردّ ذلك إلى ورثته فإن تلف في يده فهو مضمون عليه بينه وبين اللَّه وهو عاص بالتصرّف فيه وبالسؤال الَّذي حصل به الأذى ، فإن قلت : هذا أمر باطن يعسر الاطَّلاع عليه فكيف السبيل فيه ، وربّما يظنّ السائل أنّه راض ولا يكون هو في الباطن راضيا ؟ فأقول : لهذا ترك المتّقون السؤال رأسا فما كانوا يأخذون من أحد شيئا أصلا ، وكان بشر لا يأخذ من أحد أصلا إلا من السريّ وقال : لأنّي أعلم أنّه يفرح بخروج المال من يده فأنا أعينه على ما يحبّه وإنّما عظم النكير في السؤال وتأكَّد الأمر بالتعفّف لهذا لأنّ هذا الأذى إنّما يحلّ بضرورة وهو أن يكون السائل مشرفا على الهلاك ولم يبق له سبيل إلى الخلاص ولم يجد من يعطيه من غير كراهة وأذى فيباح له ذلك كما يباح له لحم الخنزير وأكل الميتة وكان الامتناع طريق الورعين ، ومن أرباب القلوب من كان واثقا ببصيرته في الاطَّلاع على قرائن الأحوال فكانوا يأخذون من بعض النّاس دون البعض ، ومنهم من كان لا يأخذ إلا من أصدقائه ، ومنهم من كان يأخذ ممّا يعطي بعضا ويردّ بعضا كما فعل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في الكبش والسمن والأقط وكان هذا فيما يأتيهم من غير سؤال فإنّ ذلك لا يكون إلا عن رغبة ولكن قد تكون رغبته طمعا في جاه أو طلبا لرياء وسمعة فكانوا يحترزون من ذلك فأمّا السؤال فقد امتنعوا عنه رأسا إلا في موضعين أحدهما الضرورة والثاني السؤال من الأصدقاء والإخوان وفي حقّ الإخوان ، وكانوا يأخذون مالهم بغير سؤال واستيذان لأنّ أرباب القلوب علموا أنّ المطلوب رضا القلب لا نطق اللَّسان وكانوا قد وثقوا بإخوانهم أنّهم كانوا يفرحون بمباسطتهم فإذن كانوا لا يسألون الإخوان عند شكَّهم في اقتدار إخوانهم على ما يريدونه وإلا فكانوا يستغنون عن السؤال . وحدّ إباحة