تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤

ويحبّون أن يعلم به فتذهب أموالهم ويحبط أجرهم ، وأمّا غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بدّ منه أو هو مستغنى عنه فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات الَّتي ذكرناها في المعطي فالأفضل له الأخذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا » ( 1 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من آتاه شيء من هذا المال من غير مسئلة ولا استشراف فإنّما هو رزق ساقه اللَّه إليه » وفي لفظ آخر « فلا يردّه » ( 2 ) وقال بعض العلماء : من أعطي ولم يأخذ سأل ولم يعط . وقد قال بعض العلماء : يخاف في الردّ مع الحاجة عقوبة من ابتلاء بطمع أو دخول في شبهة أو غيره فأمّا إذا كان ما آتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إمّا أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو التكفّل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء ، فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه إن كان طالبا طريق الآخرة فإنّ ذلك محض اتّباع الهوى وكلّ عمل ليس للَّه فهو من سبيل الشيطان أو داع إليه « ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » . ثمّ له مقامان أحدهما أن يأخذ في العلانية ويردّ في السّرّ أو يأخذ في العلانية ويفرّق في السّرّ ، وهذا مقام الصدّيقين وهو شاقّ على النفس لا يطيقه إلا من اطمأنّت نفسه بالرّياضة ، والثاني أن يترك ولا يأخذ ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه أو يأخذ ويوصله إلى من هو أحوج منه فيقع كلاهما في السرّ أو كلاهما في العلانية ، وقد ذكرنا هل الأفضل إظهار الأخذ أو إخفاؤه في كتاب أسرار الزّكاة مع جملة من أحكام الفقر فليطلب منه . وقال بعض المجاورين بمكَّة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل اللَّه فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفيّ : أنا جائع كما ترى عريان كما ترى ، فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى ؟ فنظرت فإذا عليه خلقان لا تكاد تواريه ، فقلت : في نفسي لا أجد لدراهمي موضعا أحسن من هذا فحملتها إليه فنظر إليها ثمّ أخذ منها خمسة دراهم فقال : أربعة دراهم ثمن مئزرين ودرهم أنفقه ثلاثا فلا حاجة بي إلى

هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير بسند صحيح من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير .
( 2 ) تقدم آنفا .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 334 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري