تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥

الباقي فردّه ، قال : فرأيته اللَّيلة الثانية وعليه مئزران جديدان فهجس في نفسي منه شيء فالتفت إليّ فأخذ بيدي فأطافني معه أسبوعا كلّ شوط منها في جوهر من معادن الأرض يتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين منها ذهب وفضّة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ولم يظهر ذلك للناس فقال : هذا كلَّه قد أعطانيه فزهدت فيه وآخذ من أيدي الخلق لأنّ هذه أثقال وفتنة وذلك للعباد فيه رحمة ونعمة . والمقصود من هذا أنّ الزيادة على قدر الحاجة إنّما تأتيك ابتلاء وفتنة لينظر اللَّه إليك ما ذا تعمل فيه وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك ، فلا تغفل عن الفرق بين الرّفق والابتلاء قال اللَّه تعالى : « إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملا » ( 1 ) . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا حقّ لابن آدم إلا في ثلاث : طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنّه فما زاد فهو حساب » ( 2 ) فإذن أنت في أخذ قدر الحاجة من هذه الثلاث مثاب وفيما زاد عليه إن لم تعص اللَّه متعرّض للحساب وإن عصيت اللَّه فأنت متعرّض للعذاب . ومن الاختبار أيضا أن تعزم على ترك لذّة من اللَّذّات تقرّبا إلى اللَّه تعالى وكسرا لصفة النفس فتأتيك عفوا صفوا لتمتحن به قوّة عقدك فالأولى الامتناع عنها فإنّ النفس إذا رخصت في نقض العزم ألفت نقض العهد وعادت لعادتها فلا يمكن قهرها ، وردّ ذلك مهمّ وهو الزّهد فإن أخذته وصرفت إلى محتاج فهو غاية الزّهد ولا يقدر عليه إلا الصدّيقون ، فأمّا إذا كان حالك السخاء والبذل والتكفّل بحقوق الفقراء وتعهّد جماعة من الصلحاء ، فخذ ما زاد على حاجتك فإنّه غير زائد على حاجة الفقراء ، وبادر به إلى الصرف إليهم ولا تدّخر فإنّ إمساكه ولو ليلة واحدة فيه فتنة واختبار ، فربّما يخلو في قلبك فتمسكه ويكون فتنة عليك ، فقد تصدّى لخدمة الفقراء جماعة اتّخذوها وسيلة إلى التّوسّع في المال والتنعّم في المطعم والمشرب وذلك هو الهلاك ، ومن كان غرضه الرّفق وطلب الثواب به فله أن يستقرض على حسن الظنّ باللَّه لا

هامش
( 1 ) الكهف : 7 .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 206 بتقديم وتأخير واختلاف في اللفظ .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 335 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري