عائقة عن الوصول إلى اللَّه ولا الفقر مطلوب لعينه ولكن لأنّ فيه فقد العائق عن اللَّه وعدم الشاغل عنه ، وكم من غنيّ لم يشغله الغنى مثل سليمان بن داود عليهما السّلام ، وكم من فقير شغله الفقر وصرفه عن المقصد ، وغاية المقصود في الدّنيا هو حبّ اللَّه والأنس به ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته وسلوك سبيل المعرفة مع الشواغل غير ممكن والفقر قد يكون من الشواغل كما أنّ الغنى قد يكون من الشواغل وإنّما الشواغل على التحقيق حبّ الدّنيا إذ لا يجتمع معه حبّ اللَّه في القلب والمحبّ للشيء مشغول به سواء كان في فراقه أو في وصاله ، وربّما يكون شغله في الفراق أكثر وربّما يكون في الوصال أكثر ، والدّنيا معشوقة الغافلين والمحروم عنها مشغول بها وبطلبها والقادر عليها مشغول بحفظها وبالتمتّع منها ، فإذن إن فرضت فارغين من حبّ المال بحيث صار المال في حقّهما كالماء استوى الفاقد والواجد إذ كلّ واحد غير متمتّع إلا بقدر الحاجة ووجود قدر الحاجة أفضل من فقده إذ الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر فالفقر عن الخطر أبعد إذ فتنة السرّاء أشدّ من فتنة الضرّاء ، ومن العصمة أن لا تقدر ولذلك قالت الصحابة : بلينا بفتنة الضرّاء فصبرنا وبلينا بفتنة السرّاء فلم نصبر ، وهذا خلقة الآدميّين كلَّهم إلا الشاذّ الفذّ الَّذي لا يوجد في الأعصار الكثيرة إلا نادرا فلمّا كان خطاب الشرع مع الكلّ لا مع ذلك النادر والضرّاء أصلح للكلّ دون ذلك النادر زجر الشرع عن الغنى وذمّه وفضّل الفقر ومدحه ، حيث قال عيسى عليه السّلام : « لا تنظروا إلى أموال أهل الدّنيا فإنّ بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم » وقال بعض العلماء : تقليب الأموال يمصّ حلاوة الإيمان وفي الخبر « إنّ لكلّ امّة عجل وعجل هذه الأمّة الدّينار والدّرهم » ( 1 ) وكان أصل عجل قوم موسى من حلية الذّهب والفضّة أيضا ، واستواء المال والماء والذّهب والحجر إنّما يتصوّر للأنبياء ثمّ يتمّ لهم ذلك بعد فضل اللَّه تعالى بطول المجاهدة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 328
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٨
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس من حديث حذيفة كما في كنوز الحقائق للمناوي .